القوَّة النَّاعمة مع إبليس


الشيخ نعيم قاسم
هذه الحرب النَّاعمة موجودة منذ خلق الله الإنسان، ولكنَّنا أحيانًا لا نلتفت إليها، فإبليس هو رئيس الحرب النَّاعمة ، هو لا يقول لك: لا تصلي؟ لا، ولا يقول لك لا تكن متدينًا؟ لا، إنَّما يقول لك: أنت تصلي الصلاة الواجبة هذا جيد، صلِّ النَّوافل أيضًا، وأتقِن صلاتك، وأتقِن قراءة القرآن..، إذًا من أين يدخل إبليس؟ يقول لك: ساعةٌ لك وساعةٌ لربك! أي يدعوك لإتقان الصلاة في هذه الساعة من أجل أن يؤثر عليك في الساعة الثانية، فماذا فيها لك؟ خذ راحتك بالسهر والمجون والإنحراف… فيحصل التعادل, ثم يتوب الله تعالى عليك!عرَّفنا الله تعالى على القوَّة النَّاعمة منذ بدء الخليقة مع إبليس، «الْوَسْوَاس الْخَنَّاس», والتي تتركَّز على الوسوسة والإغواء, عندما ذكر الحوار الذي جرى بينه وبين إبليس، الذي رفض السجود لآدم(ع)، فطرده الله تعالى من الجنة، عندها طلب طلباً من رب العالمين، «قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ», فاستجاب الله تعالى له بإبقائه حياً إلى نهاية الحياة الدنيا، «قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ»، ثم أعلن إبليس دوره في الوسوسة والإفساد والإغواء: «قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ»، إنَّها إرادة الله تعالى، أن يكون إبليس رمزاً للفساد والانحراف، من دون أن يملك السيطرة المادية المباشرة على أحد، فهو يعمل بالإغواء والزينة والتدليس والوَّسوسة: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ»، فلا يقوم بعمل عسكري، ولا يقوم بعمل مادي مباشر، فكل أعماله تدور حول التدليس والزينة والوَّسوسة. ويتحمَّل النَّاس مسؤولية الاختيار بأعمالهم، حيث يكون تأثيره على الذين يستجيبون له، أما المؤمنون فلن يستجيبوا له لتمسكهم بطريق الصلاح وإخلاصهم لله تعالى. كما تتركَّزُ القوة النَّاعمة على قلب الحقائق وتغيير المفاهيم, وقد حذر رسول الله(ص) أصحابه وهم مجتمعون من ذلك, فقال لهم: «كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر..فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ فقال: نعم وشرٌ من ذلك، فكيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف..فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله ؟فقال: نعم، وشرٌ من ذلك، فكيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً»،أي تنقلب الموازين رأساً على عقب، ليصبح الحقُّ باطلاً والباطلُ حقاً، ما يؤدي إلى أن تختلَّ المقاييس، فلا تكون النظرة واحدة عند الناس في السلوك أو المناقشة أو المحاورة، أو في التأسيس للمستقبل، ما يُسبب الخلل والإرباك والضياع في المجتمع,فالالتباسات التي تحصل إنما تكون بتشويه الحقائق وتزييفها، وما لفتني تلك الفكرة المركزية التي وجهنا الله تعالى إليها، وهي لب الموقف الرئيس الذي يجب أن نتخذه في مواجهة الحرب النَّاعمة، فقد أمرنا الله تعالى أن نعرف أولاً بأن إبليس عدو، ثم علينا ثانياً أن نتَّخذه عدواً، فالمعرفةُ والموقفُ متلازمان، وكما لا يمكن اتخاذ الموقف مع الجهل بالواقع، لا تكفي المعرفة إن لم يصاحبها موقفٌ وأداء,فإذا اتخذناه عدواً أعددنا العدة اللازمة في عملية المواجهة، واستطعنا أن ننتصر عليه في مواقع عدة، والتفتنا إلى تقويم أخطائنا أو انحرافاتنا. فالتصويب على العدو أساس المعركة.



