المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض


زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.
الحلقة السادسة
الآن
«يا صديقي لا تسألني كيف كبرت واختلّ توازن الكون. كنت أفترض أن العمر حين يدخل أزقة الجسد ويطرق الأبواب ومن شدّة الطرق يحفر أخاديد فيتوقف فجأة.. حينها تفتح مصاريع الأيام فتجد كلّ شيء توقّف، نموّ جسدك وشعرك وأظفارك إلاّ هذا الأنف يبدأ بالتضخم. لا أشعر بحاجتي لحاسة الشم مجدداً، فعطر الزنابق التي أحبّ غدا مألوفاً ومملاً. حين كان أنفي صغيراً وأتباهى به أمام الجميع لم ينبئني أنّه سيتضخم لهذه الدرجة. أواجه المرآة، أتمعّن بالنظر لوجهي. زدتُ نضوجاً وتألقاً، ولكن أنفي خدعني. خانني. ظلّ يكبر دون توقف. حسنا يمكنني النظر مطوّلاً للمرآة وحينها سأكتشف أموراً أكثر إيلاماً من خيانة أنفي، مثلاً النميمة بين فمي وعيني على الرموش التي لم تكبر منذ ولادتي أو تُطل شبراً واحداً. وجه المرء كالثوب يضيق ويتغيّر كلما كبر فلا يعود أهلاً للارتداء من جديد. يطعنك بالظهر، يغدر بك، يُعرّيك من طفولتك. لا يلتفت الآخرون أنك ما زلت طفلاً بل يعاملونك على أساس عدد التجاعيد التي على وجهك. حسناً سأتمرّد على تلك التجاعيد التي غزت وجهي. أريد طفولتي بعدد رموشي مثلاً، الشقراء المبعثرة القصيرة. كلّ ما أطمح إليه أن يرى الآخرون عمر قلبي الذي لم يُتْعبه عدد علب السجائر التي أدمنها ولم يؤذه تسكّع فناجين القهوة في شراييني. أمور كنت أعشقها فتشعرني بصغر عمري كقراءة الروايات، الشعر، الكتابة، الموسيقا وأنفي الذي كان يبدو أصغر سابقاً وما عاد كذلك. إنها مصادفة أن كلّ ما أحبّه بحاجة لترميم.. الشِعر الذي أكتبه، الأماكن التي ارتدتها، وهذا الأنف المتضخّم، لم يعد في وجهي حيّز شاغر. بات هذا الأنف متمكّناً منّي. أعلم يا صديقي أنك قد تطلب مني وبكلّ خيبة أن أرمّم قلبي عاطفياً قبل أن أعيد ترميم أنفي تجميلياً، ولكني تعبت.
يا صديقي مقيدة أنا بمفردات العوْلمة.. وأنفي في هذه الدائرة التكنولوجية عديم الجدوى كما هي قصائدي التي كتبتها من أجل حبيب ما. هل تعلم أنني أوقفت عقارب ساعتي كمن يستفز الوقت ويسخر منه.لم يعنني الوقت حينذاك.الذي عشقته لم يعلم أن قصائدي أكثر حبّاً له مني. لا أعلم كيف ولكن أحس بذلك. أخالني تأثرت به كثيراً وأرتاب من البقاء دونه. يسدّ رمق عقلي الجائع بضع قصائد له أقرأها فيتضوّر قلبي جوعاً.حاجتي من الحبّ أخذتها. هل يكتفي القلب عادة؟ أشعر أن كلّ ما يأتي بعد لحظة الاعتراف بالحب هو خدعة مضاعفة للقلب. كان يجب أن ينتهي الحب بعد لحظة الاعتراف مباشرة. في تلك اللحظة بدا قلبي يرتعش.. الآن كلّ شيء من حولي يرتعش إلاّ قلبي».طوى عارف الأوراق التي بين يديه بعد أن تمعّن بكلماتها ونظر لي «أ حقاً عمركِ عشرون سنة، أم أنكِ تُخفين عني أمر عمركِ»؟ أسحب الأوراق من يديه وأرد عليه بلؤم «كنت أريد رأيك بما كتبته. لا أريد أسئلة تهكّمية». يقترب من وجهي ناظراً لعيني متأملاً ما أخبئه من قلق ويبتسم وهو ما زال قريباً من وجهي «مازلت مقتنعاً أنكِ عجوز قاربت على الموت. تخفين رغبة الموت وتؤجلين حتفكِ، لأن لديكِ الكثير من التلصّص الذي لم تقترفيه». أدنو لوجهه كما فعل فنصبح قريبين جداً حتى تخال الأنفاس مشتركة وأهمس قائلة: «عارف حين يتكلّم بعد طول صمت يُغريني لأكتشف كيف سيعشق يوماً».
كلّما كتبت بعض النصوص جعلت عارفاً يقرأها، مع أنّني أعلم أنّه ليس خبيراً بإعطاء الرأي والنقد والتصحيح، ولكن أعشق أنّ أريه شقائي وخيباتي لأخفّف عنه عناء ما قد مرّ به طوال حياته. نادراً ما يُعطيني ملاحظة أو فكرة بعد أن ينتهي من قراءة ما أكتب، فهو يعلم أنني لن أنشر يوماً ما أكتبه، ولن أؤلف روايات بقصد طبعها بل أدونها فقط لأشجّع هادي على أن يبدأ بكتابة وطبع ونشر ما كان يحلم أن يقوم به منذ خمس سنوات، حينما أخبرني يوماً عن أحلامه وطموحه عندما قمتُ بزيارته في المكتبة لأشتري لأمي الكتب والروايات ودواوين الشعر. توقف حلم هادي بل تحطّم ويمكنني القول إنه قد انهار. كلّ ذلك حصل بسبب والدتي التي لا ألومها، فهي ضحت من أجل يوسف بكلّ شيء. حصل ذلك بعد أن طلّق والدي أمي وأخرجها من البيت. ذهبت ولم يعلم أحد أين غابت كلّ تلك المدة. ستة أشهر عادت من بعدها خائبة ذليلة للبيت تترجّى وتستعطف جدّي ليرجعها للأولاد وبيتها. أذكر أنّني لُمتها حينذاك «ما الذي أعادكِ لهذا الوحش؟ اهربي. رجاءاً عودي حيث كنتِ. أنا سعيدة لأجلكِ، تحرري من قمقم القهر». حضنتني حينها وقالت «يوسف كسر ظهري لو أن والدكِ أعطاني يوسف، لكنت أمعنت بالهروب مطولاً». عادت ولكن لم تخبر أحداً أين كانت طوال تلك المدة. ولأنني ماهرة بالتلصص والتحرّي واستقصاء الأمور بمجهود فردي أستطعت معرفة كلّ ما مرت به والدتي منذ لحظة خروجها مطلّقة من بيت والدي حتى لحظة رجوعها بأمر من جدّي الذي أحبّها دوماً وفضّلها على ابنه العاق. يوم طلاقها بعد شجار بينها وبين والدي لا أذكر حينها سبب الشجار، ولكن أذكر أن ذلك الوحش انهال عليها بالضرب المبرح حتى كادت تخرج روحها ثم طلّقها أمام نظر الجيران وأولادها الستة. صوت يوسف ذلك اليوم كان أنيناً خافتاً موجعاً لم أنسَه لليوم. بعد العراك والطلاق خرجت من البيت لا تحمل بيدها إلاّ كيساً مملوءاً ببعض الملابس، فهي لم تكن تملك أساساً أي شيء مهم لتأخذه.اتجهت فوراً لمكتبة هادي طالبة منه هاتفاً لتتصل بأهلها. رفض أهلها استقبالها. فهم لا يستقبلون المطلقات وليس لديهم ما يسدّون به رمقهم كي يؤووها. زوّجوها صغيرة هي وأخواتها ليخففوا عنهم عبء أفواه جائعة.
طلب منها هادي أن تسكن شقته الصغيرة، ويبقى هو نزيل مكتبته لحين إيجادها حلاً لمعضلتها. لم ترفض أمي ذلك بل شكرته، لأنّه الحلّ الأنسب بل هو أفضل من التشرد في الشوارع. كان هادي شهماً متعاطفاً معها، كما أنّه كان معجباً بها حتى قبل أن تُطلّق، فهي مركز القصائد والكلام الجميل على أغلفة الكتب دوماً، وهي التي رآها بضع مرات فقط فأسرته أنوثتها ورقتها وذكاؤها. الآن قدم له القدر تفاحته الأجمل على طبقٍ من ذهب. ولكن شهامته لم تسمح له أنّ يستغل هذا الموقف ليقضم التفاحة من دون مقدمات. سيبدأ بأول خطوة أن يظهر لها نخوته من ثم سيتقرب لها برقّته، بعد ذلك سيعرض حبّه وقلبه لها. إن رفضت فلن يبكي ويندب حظه بل سيقف على أطلال عشقه ينظر للتفاحة الإنسية التي وهبها الله له. «هل تحبني وأنا أصغرها بثماني سنوات؟ هل ترى فيّ الرجل أم المراهق الطائش»؟الأشهر الأولى جعلت أمي تثق بهادي.. استمزجت رأيه في عودتها إلى بيتها أو احتمال بقائها ضيفة ثقيلة عليه. «يمكنني الرجوع الآن قبل انتهاء عدّتي. هكذا أخبرني الشيخ الموجود في الجامع القريب من هنا». ولكن هادي ينتظر بفارغ الصبر لتنتهي عدة الطلاق ليبوح بعشقه. ماذا عساه أنّ يقول لها «كوني تفاحتي التي أنتظر نضوجها»؟ كلّ ما يؤرق بال والدتي هو يوسف، ولكنها واثقة وهي تعلم بأنّني الأم الثانية له وأنّ حبّي له وتعلّقي به يعادل تعلّقي بأمي.ثلاثة أشهر بعد انقضاء العدّة عاشت أمي فيها أجمل قصة حب. احترم هادي رغبتها بعدم طلب الزواج منها. كتب خلالها هادي أجمل القصائد وأعذبها وبدأ بالتحضير لرواية أسماها (تفاح الحنين) نسبة لاسم أمّي. كانا يتشاركان الأحاديث عن الرواية والقصائد والثقافة وأمور كثيرة منها قصص وخبريات عن شقاوة يوسف وذكائه. في كلّ مرة تذكر يوسف تجهش بالبكاء فيضع هادي رأس أمي على كتفه ويحضنها. الغريب أنّه لم يحصل بينهما أي شيء آخر أكثر من العناق حين تبكي. كم هو نبيل هذا الهادي، يحترم رغبة أمّي ولا يُقدِم على أمر يعلم أنه سيزعجها. يقاوم رغبته أمام تفاحته، يقضم روحه ألماً كي لا يؤلم قلبها. كلّ هذا قرأته في رواية الحنين التي لم يُكملها هادي يوماً ولا يعتزم إكمالها تماماً كقصة عشقه التي لم يُكتب لها أن تكتمل. تمنيت دوماً حبيباً كهادي أو ربما أحببت هادي ولم أكن أعلم، أو أنني عشقت إكمال قصة حبه مع أمي من خلالي.قاطع عارف حبل أفكاري سائلاً: «هل تجعلين هادي يقرأها حين تنتهين من كتابتها»؟ نظرت إليه مندهشة «ما هي»؟ أمسك الأوراق التي بين يدي وأخذها وألقاها بوجهي بعنفٍ وقال مؤنّباً «نسخة عن هادي أنتِ،أجمل ما تكتبان وأروع ما أقرأ ولا نية، لكما بعمل خطوة جدية لنشر روايتكما.
أيتها الكئيبة، وأنا الذي أحسب نفسي ملك التعاسة والخيبات إلى أن عرّفني الله بكِ وبصديقكِ الأكثر تعاسة».ما زلتُ أتردّد على هادي كلّ هذه السنوات أواسيه أو ألومه لا أعلم. لماذا لم يجبر أمي على البقاء معه ويتزوّجها أو يتخذها عشيقة أو حبيبة لا يهمّ. المهم أنّ لا تعود لجحرها كفأرة ذليلة. شعرت بالغضب العارم والاستياء منها تلك المدة. وددتُ لو أعنفها وأستبيح دم الوحش الذي آذاها وأعاتب ذلك الأبله الذي لم يحتفظ بتفاحته. كلّ هذا من أجل يوسف! كنت كزليخة أودّ قدّ قميص الظلم الذي ارتدته والدتي وزجّ الجميع في سجن الموت لترتاح أمي.



