ثقافية

رؤية نقدية لرواية (الشيطان يحكم العاصمة)

إسراء الديك

«أوشك قمر الشتاء الباهت على الموت، يعتصره الحزن والألم شاب ضياؤه ولم تأت بعد..». يتحدث هنا الكاتب عن الواقع الذي تعيشه بعض الدول في صورة جمالية بديعة حيث يستتر الاسقاط السياسي الراهن في بداية الفصل الأول في تشبيه القمر من شدة ألامه وهو يتحسر لغياب شمس الحرية التي ذهبت ذات يوم ولكنها لم تعد. رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للأديب المبدع فرحات جنيدي تتمثل القيم الجمالية له في العلاقات الملزمة بين الفن والمجتمع، والتي لا تكدس الواقع بل تنظمه على نحو خلاق يبرز العلاقات المتناقضة في مناحي الحياة وتتمثل علاقة الرواية بالحياة بتعبيرها بشكل غير مباشر عن أنماط سلوكية إنسانية لها مقابلها في الواقع فهي تجسد المشهد السياسي بينما تظل دوافع بعض السلوكيات والاستجابات لها خفية في الواقع وتتضح العناصر القصصية في العالم الروائي من خلال:
1- الشخصيات: ومنها الشخصية الرئيسة مثل الراوي والاله (بابا) والاله (نتر)، والشخصيات الثانوية في (خرخور) والاله (ماو)، ومن الشخصيات المعينة في الراوية المرأة الأربعينية (جوهرة القصر) و(ضوء الياسمين) وحارس الكهف.
2- تتحدث الرواية عن مكان واحد وهو العاصمة ربما في النهاية خرجنا خارج حدود العاصمة حيث الطبيعة الخلابة ولكن جميع أحداثها داخل العاصمة المليئة بالتصارع والنفاق والاستسلام والخنوع من الرعية والجبروت والفساد والقتل من (نتر).
3- ولعنصر الزمان في الرواية أهميته فهو لا يمثل حياة البطل بأسرها بل قسم كبير منها ومن خلال (الفلاش باك) عاد بنا الكاتب لحياة أسرة البطل حيث وصف الكاتب دور الشخصية الرئيسة في النص ومدى المعاناة التي لاقاها والداه وبالأخص والدته التي شاهد لحظة وفاتها عندما سقطت في بئر المياه ولم يستطع إنقاذها.
وُفّق الكاتب في صياغة الحبكة وترابط أحداثها من بداية المؤامرة التي صنعها (نتر) للاستيلاء على العرش إلى أن نال ما خطط له؛ وتتابع الأحداث مساراً معيناً شاملاً لواقع بعض الدول، حيث أن الأحداث في الرواية غزيرة ومتشعبة مما أدى إلى تنامي الحبكة القصصية. ومن أساليب الحبكة:
أ- السرد: فهو القالب الكتابي الأكبر الذي تتميز به الرواية وذلك عند وصف الراوي وطبيب العمال أثناء جريهم في الكهف المظلم فيمتزج السرد بالفلسفة في جملة «فحملتنا أقدامنا لموت لا نعرفه خوفًا من موت نعرفه».
ب- الحوار: فهو يكشف عما بنفسية الشخصيات واحياء مناخ دلالي عميق على امتداد الرواية، كما أنه يكشف عن دوافع الشخصيات وطباعهم وذلك في قول (طبيب العمال) للراوي «إما أن تؤمن أولا تؤمن إما وطن أولا وطن».
البناء القصصي في الرواية: يشهد القارئ تتابعاً للحدث الرئيس في الرواية على النحو الآتي وهو الوضع الأولي، والعرض، وتسلسل الأحداث وتنظيمها.
وكانت بداية الفصل الرابع عشر والأخير صورة بديعية جميلة وهي «احمر وجه السماء فأدمعت» حيث شبه السماء بالفتاة التي يحمر وجهها حزناً على حال البلاد فتذرف دمعا على هيأة أمطار وكأنها تشاركنا الحالة النفسية.
وأبدع الكاتب في الخاتمة حيث جاءت صادمة؛ لخصت (ضوء الياسمين) الواقع السياسي والاجتماعي قائلة له «الكل ينتظر غيره ليحرره ولهذا فالحرية وإن جاءت على يد (ماو) فستجد شعباً يريد العودة للحياة اليائسة».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى