ثقافية

جماليات المثنى.. آراء وأفكار في الآداب واللغات

4732

كريم الاسدي

في يوم من الأيام وأنا أحضِّر لدراسة الماجستير في جامعة برلين الحرَّة (UF)، وفي فرع الأدب العام والأدب المقارن الذي كنت أدرسه الى جنب علوم اللغة العربية وآدابها دار الحديث حول خواص اللغة، أي لغة، في التأثير على أدب اللغة نفسها فتطرقتُ الى خواص اللغة العربية المميزة  وتأثيرها على الأدب العربي، ومن هذه الخواص وجود حالة المثنى في اللغة والنحو العربيين، وبدأت استشهد بأمثلة وأترجمها الى اللغة الألمانية ليفهمها زملائي وزميلاتي من الألمان والأوربيين والأميركيين وأبناء الشعوب الأخرى حيث يجتذب الأدب المقارن في جامعة برلين الحرّة ـ وربما في كل جامعات العالم ـ طيفاً واسعاً من الطلبة من مختلف جنسيات العالم.
يبدو ان الموضوع راق الى الأستاذة الشابَّة التي تشرف على هذا الفصل الدراسي فعرضت عليَّ صفقة أن أنال درجة هذا الفصل اذا كتبت تحقيقاً عن هذا الموضوع أقرأه في قاعة المحاضرات وأناقشه معها ومع الطالبات والطلّاب في الفصل الدراسي وأجيب على أسئلتهم على ان يعفيني هذا فيما بعد عن كتابة العمل النهائي، وستعتبر الدرجة التي تمنحها لي عن هذا التحقيق درجة الفصل الدراسي كله، فوافقت على هذا الاقتراح لأكتب عن بعض خواص اللغة العربية وخاصية المثنى. وبالفعل كتبت التحقيق وأجبت على سيل من الأسئلة بهذا الخصوص أثبت لي ان عند الألمان والأوربيين ودارسي الأدب المقارن الجادين الى الآن أكبر الفضول لمعرفة الأدب العربي واللغة العربية.
في الحقيقة ان اسم هذا الموضوع هو جماليات المثنى في اللغة العربية، ولكن اللغة العربية على حد علمي هي اللغة الوحيدة في العالم التي تفرد للمثنى حالةً خاصة تتغير معها الضمائر والأفعال بحيث تكون صيغة الجمع خطأً لغوياً اذا استخدمناها في العربية في الضمائر والأفعال للتعبير عن اثنين، فالضمائر في العربية للمثنى هي أنتما للاثنين الحاضرين، وهما للاثنين الغائبين، ومعهما تتغير نهايات الأفعال أيضاً بما يلائم المثنى كأن نقول أنتما تقولان، وهما يكتبان.
في اللغة الأنجليزية مثلاً هناك كلمة واحدة تخص التعبير عن حالة ثنائية أو مثنى وهي كلمة (Both) وتعني كلاهما، وكذلك في الألمانية هناك كلمة واحدة تقابل هذه الكلمة الأنجليزية وتشبهها الا وهي كلمة (Beide) وتعني أيضاً كلاهما. ولكن الأمر لا يتعدى الى أكثر من هذا ولا يتعدى طبعاً الى تصريف الأفعال واستبدال الضمائر لتدل على المثنى، فضمير الاثنين في الانجليزية والألمانية هو ضمير الجمع. ومن عدد أثنين يبدأ الجمع في هاتين اللغتين وبقية اللغات، فيما الواحد ـ مثلما هو معلوم ـ هو المفرد.
في العربية هناك استثناء!
حاولتُ ان أبرر وجود هذه الحالة الأستثنائية في اللغة العربية.
حالة الأثنين أو المثنى تعبير عن الثائية في الوجود والحياة ومرد هذه الحالة ـ الأحالة هو تفكير فلسفي في أساس الحياة و معمار الوجود فهناك منذ بدء البدء السماء والأرض، والليل والنهار، والمرأة والرجل، واليابسة والماء، والحياة والموت والى ماذلك من ثنائيات، وجميعها حالات عظيمة لأثنين أو لمثنى تنتج علاقات خاصة. والثنائيات قد تكون متممة لبعض مثل الأرض والماء وقد تكون متناقضة مع البعض مثل القبح والجمال وقد تكون في الحالتين معاً أي حالة التناقض وحالة التتميم أو الاكمال مثل الليل والنهار. فالنهار يتمم الليل في الزمن ويأتي بعده أو قبله ولكن من الممكن أعتباره نقيضاً له. وفي الشعر والأدب نحاكي هذا السياق في حالات عديدة ونحن نشير الى عتمة الليل وضوء النهار.
ومن حالات المثنى الممتعة مثلاً والتي تتطلب علاقة خاصة بين أثنين وتبرر وجود حالة خاصة في اللغة مثلاً: الأم والأب، الأم والأبن، الأم والبنت، الأب والأبن، الأب والبنت، البنت والأبن. وكلها حالات في منتهى الخصوصية.
ومن الحالات الثنائية التي تسترعي الانتباه أيضاً: الأرض والشمس، الأرض والقمر، القمر والشمس.
ومنها: البحر والأرض، النهر والأرض، البحر والنهر.
ومنها البحر والشمس، البحر والقمر، النهر والشمس، النهر والقمر.
وفي كل حالة هنا خصوصية ووقفة تأمل!
وحتى العناصر الأربعة الأولى المكونة للحياة الماء والنور والهواء والأرض يؤلف كل أثنين منها علاقات حميمة وخاصة، فلو أخذنا مثلاً علاقة الماء والنور وما ينتج عنها: نور القمر وماء النهر، ضوء الشمس وماء البحر، نور القمر وماء البحر، ضوء الشمس وماء النهر، بما ذلك مشهد تكسر النور على أمواج الماء، وأنعكاس الشعاع من على صفحة الماء، ونشوء الموج، واِبحار الأشرعة من ثنائية الهواء (الريح) والماء، وظواهر الخصب والأخضرار والنماء من ثنائية الماء والأرض، فهذه كلها ثنائيات.
ومن الحالات التي تمثل نقائض أو متناقضات في ثنائيات متقابلة ما يهتم به علم الأخلاق، وما يرد في اللغة: الخير والشر، الحب والكره، الجمال والقبح، الكرم والبخل، الشجاعة والجُبن، النبل والنذالة، الوفاء والغدر، الشهامة والخِسة، الرفعة والوضاعة.
كل هذا ترمز له وتعبر عنه العربية في المثنى. هذا ناهيك عن الجرس الموسيقي الرائع الموحي المتناغم لضمائر المثنى في العربية هما وأنتما، وهذه النهاية الجميلة في حرف الألف وهو الحرف الأول في العربية!وفي الأفعال والأسماء تأتي الألف والنون أو الياء والنون فنقول نهران ونهرين مع حركة الكسرة، أو في الأفعال: يحبان، يعشقان، يقولان، وذلك في المضارع، أو أحبا، عشقا، قالا في الماضي، فما أجمل العربية وما أكرمها من لغة وما أثراها من موسيقى!
ولنأخذ مثلاً قول السياب:
أنتما يا أنتما
مصباح روحي أنتما
وأتى المساء
والليل أطبق فلتشعا في دجاه فلا أتيه
ولأن المثنى جميل، أساسيٌ، وباهر نرى خطاب الأثنين أو مخاطبة الأثنين في الشعر العربي حيث يقول المتنبي:
يا ساقييَّ أخمرٌ في كؤوسكما
أم في كؤوسكما هَمٌ وتسهيدُ
أو قول الشاعر النابغة الجعدي:
خليليَّ عوجا ساعةً وتهجرا
ولوما على ماأحدثَ الدهرُ أو ذرا
أو قول شاعر المهجر السوري نسيب عريضة:
يا صاحبيَّ لقد غفا
نبعُ المرؤةِ والوفا
أو قوله في نفس القصيدة:
يا صاحبيَّ لقد مضى
زمنُ النبالةِ والكرم
والأمثلة كثيرة في الأدب العربي.
يبقى ان نقول ان حالة المثنى في اللغة العربية من خواص الجمال والعبقرية والدقة وقوة الأيحاء في هذه اللغة وأحد مصادر ثراء العربية السامق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى