المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض


زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.
الحلقة الثانية
الأم
تفقد المواصفات كلّها التي تمنحها الطبيعة لأي أنثى لتكون زوجاً وأمّاً، عارية من كلّ آثام الفطرة الإنسانية، لا الغيرة تعنيها ولا العلاقات الحميمة تؤرقها. حضرت أم غابت سواء لديها. تُنجب لتُفرح الآخرين. لو كانت عاقراً لما اهتمّت. لعنة التعاسة ترافقها. ومع ذلك أشعر بأنها وضعت تعويذة من اللا مبالاة لتحرسها من النكد والنقّ والتأفف.. طالما استغربت من بشاشة وجهها التي تصارع بها كلّ ما قد يعكّر صفو راحتها. لها قدراتها النفسية القوية الملوّنة كما للروح قدرة الخروج والدخول دون تفكير بعاقبة الموت. لا تحمل ضغائن تجاه الحياة وتجاه ما يحدث لها. أخبرتني يوماً «فكرة اللامبالاة هي ثمرة الموت حياً.. لنكون أحياءاً وسط أكوام الجثث علينا أن نستبدل جلدنا بها». لا ألوم هذه الأم. كلّ ما أستطيع فعله هو أنّ أتلصّص على بشاشتها وضحكتها ولا مبالاتها متسائلة من أين تأتي بها. من الفتحة ذاتها بجانب الجدار الرطب بين غرفتي وغرفتها أراها تتلحف بدموعها وبعض الهموم. كيف لوالدي أنّ يملك هذا القلب القاسي كي يغادرها وينام بعيداً عن هذه الحورية فيعمرها ومع عدد أولادها الذين أنجبتهم باكراً واحداً تلو الآخر. كان لا بد لجسدها أن يذوي، أو أن تبدو كباقي الأمهات مترهلة تحمل أرطالاً من اللحم المرتخي، لكن لم تكن أمي كذلك، بل كانت ذات جسد غضّ ممتلئ بطريقة جميلة، بخصرها النحيل وأردافها المشدودة المغرية وطولها اللافت، خصوصاً لي أنا قصيرة القامة. رائحتها التي أحببتها تختلف عن روائح الجارات المشبعة بالطبخ ومساحيق الغسيل وسواها التي عهدتها في ذلك الوقت، حين كنّ يأتين نادراً لزيارتها. عنقها مزدهر دوماً برائحة الياسمين. هذه الزهرة القصيرة العمر التي تهمي حين تمرّ بها نسمة هواء خفيفة. أشتهي عبق رائحتها حين تقبّلني. ترتدي ما تيسّر من ضوء الشّمس، كنجمة تنتظر ليلاً لتعانق الوحدة وليفترسها الهمّ. ليتني أعلم يا حورية قلبي كيف يولد البريق في عينيكِ، كيف يهجركِ والدي وأنتِ كرمانة تتكوّرين داخل نفسكِ تنتظرين القطاف؟ لماذا تتحول نساؤنا بعد الولادة والتعب لزوايا مركونة مهملة في أرجاء البيت؟ كلما راقبتها من فتحة الجدار التي تفصلني عنها أراها تقرأ. مختلفة هي عن باقي نسوة ذاك الحي الفقير المهمَل. هي استثنائية، إذا أمسكت كتاباً تراها تبكي أحياناً وتضحك حيناً آخر حتى أني أرى آثار العشق على محياها حين يتجلى أمامها نصٌّ شعري يحاكي القلب. في إحدى الليالي اقتنصت فرصة انشغال الجميع وهم يتابعون برنامجاً على التلفاز، وبينما هي منشغلة بأعمال المطبخ تسللت بهدوء على أطراف أصابعي لغرفتها. كنتُ فضولية جداً. حينها أردت أن أمسك مقتنياتها الثمينة، كتبها ورواياتها، لأعرف ما الذي يجذبها داخل هذه الصفحات ويجعلها تسكن ليلاً بين دفّتي الكتاب الذي بات عالمها الخاص السري. لو أن لهذه الكتب أذرعاً لعانقت أمي. حروف وكلمات لم أفهم حينها شيئاً ممّا قرأت. لم يضايقني ذلك الأمر، لأن ما يهمني أنّ هذه الملاك تجيد الحياة وتمسح نظراتها المنكسرة وتنسى تجاعيد قلبها الهرم من تعب الحياة وتلقي بهمومها في كلّ رواية تقرأها. يكفيني ذلك ويطمئن قلبي أن أمي لها ملاذها الخاص. كثيراً ما كانت تطلب مني الذهاب لمكتبة تبعد عن حارتنا مقدار ربع ساعة مشياً على القدمين. وعلى الرغم من أن المشوار متعب، إلا أنّني لم أكن أرغب بكسر قلبها برفضي أو تأففي من هذه المهمة. بعد برهة من الزمن أصبح هذا الأمر يستهويني. في بادئ الأمر كنت أظنّ هذه المكتبة ملاذاً للهاربين المنكسرين المهملين مَن أحبتِهم، كما أمي؛ ولكن هادي الشاب اللطيف الذي لا يفارق المكتبة دوماً غيّر نظرتي للأمور. أصبحت أعشق التردد للمكتبة وصار ينتظر قدومي أسبوعياً بالموعد نفسه. لم أبلغ الخامسة عشرة حينها وكان يكبرني بعشر سنوات، ولكن هذا الفاصل العمري بيننا لم يكن شيئاً يذكر فهو يحدّثني كفتاة واعية مدركة وأنا كنت أصغي إليه بكلّ حواسي خاصة حين يثني على اختيارات أمي الروائية والشعرية ويهمس لي كمن يقول سراً «أمكِ قارئة نهمة ليتني أعرفها. في هذا الزمن قل القرّاء وتلاشت الذائقة الشعرية». لم أكن أستوعب كلّ ما يتفوّه به، ولكن كنت أعلم أنه يقدّر أمّي ويحترمها «ليته كان هو والدي». في ذلك العمر لم يكن لي سوى أمنية واحدة أن يكون لأمي رجل يحبّها فهي تستحق ذلك. فهي تملك كلّ مواصفات الجمال والذكاء والمعرفة. يكفي امتلاكها قلباً لا يعرف الحقد ووجهاً لم أره يوماً عابساً. «آه يا هادي لو أنك زوجها لشممت الياسمين في عنقها ورأيت جسدها الفارع الطول المكتنز الذي لم يشوّهه إنجاب ستة أولاد. ليتك تراها ليلاً وهي متوسّدة الروايات، متلحفة أوراق الدواوين». كم أحببت الهمس له بهذه الكلمات كما كان يهمس لي عن إعجابه بثقافة أمّي. يُجلسني على كرسيه الأسود ذي الدواليب المتحركة وأبدأ باللعب والتأرجح بينما هو يفتش ويبحث عن الكتب التي دوّنت أمي أسماءها على ورقة حين أرسلتني. ويبدأ حينها بالأسئلة «من أين تأتي أمّكِ بأسماء هذه الكتب»؟ لم أعلم حينها ولم يخطر ببالي هذا السؤال. فتح هذا الاستفسار باباً في دماغي «أنا المتلصّصة بامتياز. المراقبة كلّ شاردة وواردة كيف لم يخطر ببالي هذا السؤال»؟ أحسست حينها بنقص في قدراتي التلصّصية ومراقبتي. في تلك اللحظة تبادر لذهني مشهد رأيته مراراً من الفتحة في جدار غرفتي التي تطل على الشرفة، حيث تقف أمّي لنشر الغسيل وتتحدّث دوماً مع عبد، الطالب الجامعي الذي يقطن في غرفة في البناية الملاصقة لشقتنا «لا بد أنه عبد. فهو المثّقف والمتعلّم الوحيد الذي تعرفه أمّي، بل هو الوحيد الذي تحدثه أمّي يومياً. والدتي لا تقوم بزيارات صباحية كنساء الحي ولا تزورها النسوة إلاّ حين تلد فقط من باب الفضول ومن أجل الضيافة المميّزة التي تقدمها أمّي والتي يحضر جدي خصيصاً لها من أفخر أنواع الشوكولا والحلويات. فهو يبتهج ويفرح حين تضع أمّي مولوداً ذكراً. والدي هو الابن الوحيد لوالديه، وكلّما زاد عدد الذكور في العائلة زادت نسبة تخليد اسمها، فعائلتنا لم تنجب ذكوراً منذ جيلين، جدّي وحيد وجدّه وحيد. وجاءت والدتي لتنجب لهم من بعدي خمسة ذكور ما جعل جدّي يبذخ بالضيافة والهدايا بعد كلّ ولادة. كانت ضيافتها حديث الحي والنسوة دوماً. «إذاً هو عبد. لا بد أنّه هو. وإلاّ من أين لوالدتي كلّ هذه الأسماء للكتب والدواوين أسبوعياً»؟ هادي يحدثني دوماً عن أحلامه خلال بحثه عن الكتب وتوظيبها في الأكياس. لا يترك لحظة خلال وجودي إلاّ ويختلق ألف حديث معي. عشت أحلام هادي في مخيلتي. فهو الشاب العصامي الذي درس الأدب الانجليزي وأصبح يترجم الأبحاث للطلاب ويعطي التلاميذ دروساً خصوصية. طلابه من فئة الأغنياء ما مكّنه من ادخار بعض المال ليستأجر هذه المكتبة بمساعدة أحد آباء طلّابه. رجل محب للثقافة مشجع على تحقيق أحلام الموهوبين. معدّ برامج تلفزيونية وكاتب في بعض الصحف، كما أنه أحب هادي جداً فقرر مساعدته. لم يقف طموح هادي عند هذا الحد فهو يملك حلماً آخر أن يؤلّف روايته الخاصة. يحدثني يوماً قائلاً: «لدي كمّ هائل من الأفكار أجمعها منذ كنتُ بعمر الثامنة عشرة أحفظها في دفتر خاص بي. سيأتي يوم وأحولها رواية. حين يكتب الإنسان رواية فهو يولد من جديد. سأولد يوماً ما كما أريد أنا». حينها قلتُ له «سأبدأ من الآن بتوفير بعض المال لأستطيع شراء روايتك». كما أمّي أصبحتُ أفكر وأخطط فهي تدخّر بعض المال يومياً لتستطيع شراء الكتب من دون أن يعلم والدي الذي يكره الكتب والعلم والتعليم. لولا والدتي لما كنا دخلنا مدارس وتعلّمنا. صارعت أفكاره المتخلّفة كثيراً. ولولا جدّي وإصراره على تعليم أخوتي لما استطاعت أمّي أن تجعلنا نرتاد المدارس. نقطة ضعف جدي هي والدتي، الآلة التي تنجب ذكوراً له. الدجاجة الذهبية التي تمنح العائلة استمرارية، ظلّ يشترط عليها «إن أردتِ أن أقنع زوجك بأهمية المدارس أريد طفلاً كل عامين، على أن يكونوا ذكوراً». دوماً يُنهي جملته بغرور وطمأنينة أنّه سيرى حفيداً آخر يحمل اسم العائلة. «هل تعلم يا هادي أني أفتخر كوني بئر أسرار أمّي التي لا يعلمها أحد غيري»؟



