اخر الأخبار

صدقة السر

4623

قال تعالى 🙁 إن تُبدوا الصّدقاتِ فنعمّا هي وإن تخفوهَا وتؤتوهَا الفقراءَ فهوَ خيرٌ لكم ويكفِّرُ عنكم من سيئاتكُم والله بما تعملونَ خبيرٌ ) وطبيعي أن يكون العطاء إلى المحتاج سراً أفضل من الاعلان به … وذلك لأن صدقة السر تحقق أهدافاً ثلاثة بينما صدقة العلن لا تحقق إلا هدفاً وحداً أما الأهداف التي تحققها صدقة السر فهي : أولاً : عطاء من المنفق إلى الفقير ووصل خيرٍ له ، به يُسدُّ حاجته. ثانياً : ان صدقة السر بعيدة عن الرياء إذ الرياء إنما يتحقق مع الإظهار والإعلان بالشيء ، أما مع الإخفاء فلا معنى للرياء لعدم إطلاع أحد على العطاء غير الفقير ، وبذلك تسلم عملية الإنفاق من الشوائب غير المحبوبة. ثالثاً : إن صدقة السر تحفظ الفقير كرامته ، ولا تجرح شعوره إذ الكثير من الناس لا يقبلون أن تهدر كرامتهم ولو كان ذلك من طريق الإحسان إليهم ، فلا يريدون أن يعرف عنهم أنهم بحاجة وعَوَز ولذلك قالت عنهم الآية الكريمة : ( يحسبهمُ الجاهلُ أغنياءَ من التعفُّفِ ) كل هذه المميزات لا نجدها متوفرة في صدقة العلن لاحتمال أن يصاحبها الرياء ـ وفي الوقت نفسه ـ قد يتضايق منها الفقير فيما لو كان غير راغبٍ بأن يفهم الناس عنه بأنه محتاج وفقير ـ كما قلنا .. هذا هو الفارق بين الصدقتين : صدقةِ السر ، وصدقةِ العلن. مضافاً إلى أنه قد وردت أخبار كثيرة في فضل صدقة السر ، وأنها تحقق أهدافاً عديدةً منها : أنها تطفئ غضب الرب ، وتطفئ الخطيئة ، وتنفي الفقر وتزيد في العمر ، وتدفع سبعين ميتةَ سوء ، وتدفع سبعين باباً من البلاء. وقد جاء عن النبي صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله قوله : ( سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله ـ إلى أن قال ـ : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم يمينه ما تنفق شماله ». وهذا الرجل بهذه النفسية الطيبة يخفي عطاءه حتى لا يعلم به أحد ، وهو واحد من السبعة الذين يظلهم الله يومن القيامة ، وعطاؤه يطفئ غضب الرب ـ وفي الوقت نفسه ـ محبوب لله. هذا الرجل لماذا نال هذه الدرجات ؟ ويأتي الجواب واضحاً بأنه حصل على كل ذلك لأنه ستر أخاه المؤمن ، وحفظ له كرامته ، ولم يجرح عواطفه. ومن الواضح أن الله يحب الساترين ، ويمنحهم الثواب ويجزل لهم العطاء. وقد سار أئمة أهل البيت عليهم ‌السلام على هذا النهج ، فكانوا يخفون عطاءهم فإذا ضرب الليل باجنحته ، ولف المدينة بظلامه الدامس قاموا ليتفقدوا البؤساء ، والمحتاجين يطرقون أبواب الفقراء ليوصلوا لهم الطعام ، والكساء ، والنقود. (وقد اختلفوا في الصدقة التي يكون إخفاؤها أفضل فهل هي الصدقة الواجبة أم المستحبة ؟ فقيل : صدقة التطوع إخفاؤها أفضل لأن إخفاءها يبعدها عن الرياء ، وأما المفروضة فلا يدخلها الرياء ، بل على العكس لو أخفاها الإنسان للحقته تهمة منع الحق المفروض فإظهارها أفضل من التستر بها ).يقول الإمام أبو عبد الله الصادق عليه‌ السلام موضحاً هذا المعنى :(الزكاة المفروضة تخرج علانية ، وتدفع علانية ، وغير الزكاة إن دفعه سراً أفضل ، وقيل الأخفاء في كل صدقة من زكاة ، وغيرها أفضل ». أما إذا رجعنا إلى القرآن الكريم فإن الآية الكريمة مطلقة لا تفصل بين الصدقتين الواجبة والتطوعية بل تقول: ( وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ). ونظراً لإطلاق هذه الآية والتفصيلات في الأخبار كما عرفت فقد خرج الفقهاء بالنتيجة التالية : وهي أن مطلق الصدقة زكاة كانت أو غيرها من الصدقات المستحبة إخفاؤها أفضل من اعلانها لما بيناه من وجود الفائدة في الإخفاء. ولكن إذا كان الإخفاء موجباً لاتهام الإنسان بعدم إخراج الزكاة ، أو برمية بالبخل والشح ، أو كان المنفق يقصد من وراء إظهار الصدقة تشجيع الآخرين ، وتعويدهم على فعل الخير وإنعاش هؤلاء الضعفاء المحرومين ففي مثل هذه الموارد لابد من الاعلان للأسباب المذكورة ، أما إذا لم يحصل شيء من ذلك فإن الأخفاء أفضل نظراً لما يحققه من الأهداف السامية ـ كما بينا ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى