اخر الأخبار

بالتزامن مع الحرب على اليمن..«الترفيه» يهز السعودية لكسر النمط الوهابي المهيمن على مجتمع الجزيرة العربية

4375
تشهد السعودية صراعاً خفياً، خرجت فصول منه إلى العلن، ليس فقط من خلال رصد التغريدات السعودية اليومية على موقع «تويتر»، تفاعلاً مع أنشطة «الهيأة العامة للترفيه» التي أنشأها محمد بن سلمان في سياق «رؤية 2030» في تجاهل تام لفتاوى الوهابية وتجرؤ على رقابة رجال الحسبة، بل أيضاً عبر حملات ملاحقة طاولت الدعاة المعترضين.
«الهيأة العامة للترفيه»، هو اسم الهيأة الحكومية السعودية التي «تمّ إنشاؤها (العام الماضي)، وتعنى بتنظيم قطاع الترفيه في المملكة وتطويره، والارتقاء بجميع عناصره ومقوماته وإمكاناته، وذلك من خلال وضع خطط ومعايير إقامة المرافق والمنشآت والفعاليات الترفيهية وإدارتها ودعمها»، وفق التعريف الرسمي. لكن ما وراء ذلك أنّ هذه الهيأة أقيمت بهدف كسر النمط الوهابي المهيمن على مجتمع الجزيرة العربية، ما من شأنه أن يفتح الباب على أخطر النقاشات الهوياتية داخل شرائح المجتمع السعودي.
«الترفيه» تنشده مؤسسة الحكم السياسية، بعيداً هذه المرة عن التراضي المعهود تحت خيمة تزاوج السيف والكتاب (آل سعود وآل الشيخ)، وقد صاغه أمراء جدة والرياض بصيغة إسقاطية طبعت كل مراحل المشروع بطابع التصنع والهجانة، بدءاً من التسمية الغريبة: هيأة الترفيه، وصولاً إلى تدشين ورعاية المهرجانات الفنية وتنظيم فعاليات الثقافة والتسلية، في قالب تأطيري وتوجيهي، موثّق بسلاسل على جدار السلطة، وموظّف في برامج سياسية.
هذا المشروع السعودي المحدَث، الكاسر لجمودٍ اجتماعي متجذر، والذي يحدث انفراجة في انغلاق ثقافي، ضاربةٌ أطنابه في بيئة غير متصالحة مع الفنون على أنواعها، بفعل السطوة الوهابية وهيمنة أنماط حياتها المتزمتة، أبصر النور بعد طول انتظار من تحت عباءة الحسابات الاقتصادية والسياسية لأمراء المملكة، وتسييلاً لما يستجيب لمتطلباتهم الملحة في هذه المرحلة، وليس انسجاماً مع ديناميات التطور الانسيابي، اجتماعياً وثقافياً. وإنّ «رؤية 2030» لصاحبها ولي ولي العهد، محمد بن سلمان، تمثّل كل الحكاية في التحول الاجتماعي الذي زُجت شرائح الشعب السعودي في تمارينه من بوابة «الترفيه»، وخاصة أنّ هذا المصطلح تكرر غير مرة في نص الرؤية التي قدمها نجل الملك السعودي. ومن ثمَّ ظهر المصطلح في زيارة ابن سلمان، الأولى، إلى الولايات المتحدة، وشركة «ديزني لاند» بالتحديد، حيث راح يبحث الأمير الشاب عن نقل التجارب إلى المشيخة الوهابية.وحينما كان التحول عن النفط كمصدر يتيم للدخل القومي يستلزم الاستثمار في القطاعات الأخرى، كان لا بد، وببساطة، من أن تتوافر هذه القطاعات، ومن بينها قطاعات السياحة والثقافة والفنون، غير الموجودة أساساً. والمرجوّ سعودياً، تلبية للرؤية الجديدة، خلق هذه القطاعات أولاً، وتعويد المواطنين إياها، وترويض المجتمع المنغلق (الذي إن قصد «الترفيه» فإنه سيختار الإجازة في الخارج حيث سيهدر دخله على السياحة في بلد آخر)، قبل أن يرمي ابن سلمان حجراً واحداً فيصيب به عصفورين: استدراج العروض (السياسية في باطنها)، التي تستهدف خلق فرص الاستثمارات، بما يشبه تقديم الرشى إلى الأميركيين من جهة، وتسليفهم مواقف «الاعتدال والانفتاح»، وذلك لاستبدال الصورة النمطية عن التطرف وصناعة الكراهية والفكر الإرهابي، من جهة ثانية.
برغم أن نشاطات «هيأة الترفيه» قسمت المجتمع السعودي في أكثر من اتجاه، وأثارت الجدال بشأن أعمالها على أكثر من مستوى، واحد منها إقامة هذه المهرجانات بالتزامن مع الحرب على اليمن وتوسع دائرة المعارك لتطاول مناطق الجنوب السعودي التي تعيش حالة حرب حقيقية، فإن الأخطر في هذا النقاش ما رشح عن رجال الدين داخل المملكة من موقف سلبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى