جولة في قعر الذاكرة


غسان عباس محسن
بإستثناء بعض التجاعيد التي أحاطت بتلك العينين الرزنتين، لم يكن هناك اي شيء مميز في ذلك الوجه الأسمر ذي الجبهة الصغيرة لرجل في أوائل الأربعينيات من عمره. بدا وكأنه ما زال يحمل شيئاً من اثر الشباب الذي اندثر قبل أوانه، نتيجة لظروف صعبة قد يكون مرّ بها في بعض مراحل حياته، ولولا عملي كباحث اجتماعي الذي بسببه حتمّ عليّ مقابلة مختلف انواع الرجال، لما شككت للحظة في كون هذا الرجل ممن يحتمل ان يكونوا قد خرقوا القوانين في يوم ما. وبرغم كرهي له نتيجة لمعرفتي بالجريمة الفظيعة التي ارتكبها قبل اعوام طويلة، فقد بدا لي هادئا وواثقا بنفسه لدرجة ان من يتحدث إليه سيشعر وكأن شعاعا كان يخرج من بريق عينه التي توارت خلف زجاج النظارة. لم يرفض محاولتي بخلق جو ودي معه في بداية لقائنا، فقبل ان يأخذ سيجارة مني ويدخن، وهُيئ إليّ لوهلة انه كان من النوع الذي لم يكن يجد الكثير من الوسائل التي يعبر فيها عن مكنونات ذاته ومشاعره، لذا وجد فيّ خير وسيلة لفعل ذلك وبدا وكأن سؤالي له عن أولى ذكريات طفولته قد مضت به بعيدا حتى خُيّلَ إليّ لوهلة وكأنه قد نسي وجودي بقربه ثم انتبه إليّ وصار ينطق بما كنت إنتظر سماعه منه بعدما زفر نَفَساً من دخان سيجارته وكأنه أخرج بذلك ما كان مدفوناً في قعر ذاكرته:
– كان ذلك قبل أعوام طويلة.. عندما كان كل شيء صعباً.
توقف لبرهة، وكأنما ليتدارك الملامح التي إرتسمت على وجهه الوقور فشعر وكأنّه قد تعرّى أمامي دفعة واحدة فتمالك نفسه ثم واصل:
ـ كان كل شيء يسير بشكل طبيعي، أسرة صغيرة سعيدة مكونة من أب وأمّ وطفل صغير.
تغيرت ملامحه فجأة ثم أضاف وقد بدأت شفتاه ترتجفان وقطب حاجبيه وهو ينظر اليّ ليجعلني أشعر بما كان يشعر به:
ـ ولكنْ عملُ والدي الذي بسببه كان عليه ان يتغيب عن أسرته بين الآونة والاخرى كان هو الأمر الذي غيّر كل شيء .. أذكر أنّه كان يغيب عن المنزل لعدة ايام لأنّ عمله يوجب عليه الانتقال بين المدن البعيدة.
صمت وكأنما ليتذكر ما كان يعانيه من آلام فظيعة فأطلق تنهيدة ثم واصل كلامه:
ـ حتى ذلك الحين كان كل شيء يسير بشكل طبيعي، اقضي معظم وقتي في المدرسة او منشغلا باللعب مع أصدقائي من دون ان تضايقني والدتي بأي شكل او تسألني كما اعتادت ان تفعل في السابق.
حاولت ان أقوم بشيء من التواصل معه اكثر من مجرد إيماءات الرأس وحركات العين، فسألته وانا انظر إليه باهتمام فأدرك باني كنت اريد منه ان يتحدث في الامر الذي قلب الحياة الاسرة السعيدة رأسا على عقب فقلت:
ـ ما الذي حدث حتى تقوم بذلك الامر؟
رمق ما أمامه بنظرة وكأنما ليستعيد تفاصيل الحادثة المشؤومة التي من اجلها اجتمعت به في هذا المكان ثم واصل بعد ان غاصت عينه في الارض ليداري عني نظرة الخجل التي لاحت في عينيه:
ـ ذات يوم عدت مبكرا إلى المنزل بعدما انشقت حذائي في المدرسة، كنت سعيدا لأني عدت باكراً لدرجة اني صرت اقفز مسرعاً على سلم العمارة القديمة حتى وصلت الى الشقة ودخلت فيها من غير ان اعلم بأني سأشهد امرا سيغير في مجرى حياتي.
بدأت أتفاعل مع قصته لدرجة اني نظرت إليه نظرة المتلهف المستعجل وهو يتناول قنينة الماء التي بقربه ويشرب منها ثم أعادها الى مكانها سريعا وواصل وقد بدا أثر الحزن يظهر بشكل واضح على صوته المجهد:
ـ كدت أنادي عليها لكني عدلت عن هذا الامر بعدما سمعت أصواتا غريبة قادمة من غرفتها، فاقتربت ودفعت باب الغرفة فإذا بي أجدها مع رجل غريب في وضعية مخجلة!
توقف وكأنما لم يعد لديه ما يقوله او ان مشاعره المتناقضة بين حب أمه من جهة ومقتها من جهة اخرى قد اعجزته عن الكلام لوهلة فصار محتارا فيما ينبغي عليه قوله فقررت ان أتدخل وسألته:
ـ وماذا حدث بعد ذلك؟
كاد الدمع ينزل من عينيه وهو يستعيد الذكريات المؤلمة وفكرت لبرهة في اني قد اكون إنسانا محتقرا في نظره لجعلي إياه يتذكر تلك الأوقات العصيبة لكنه بدا مرتاحا وهو يواصل كلامه وكأنه يزيح بذلك جبالا متراكمة على صدره فقال:
ـ الذي حدث هو اني تغيرت كليا فصرت اتشاجر كثيراً مع زملائي في المدرسة واصبحت كلمة (ابن كلبة) تستفزني اكثر من اي تلميذ آخر، وقد فسر والدي هذا للتغير في سلوكي على انه ناتج عن كوني وحيدا ولم يفهم مطالبتي إياه بالبقاء في المنزل وعدم الذهاب لعمله بل انه قرر ان يرسلني الى منزل عمتي في أطراف المدينة!
ـ وهل ذهبت الى هناك؟
سألته وكأني قد نسيت الغرض الأصلي الذي اجتمعت به من اجله وصرت مهتما بمعرفة احداث قصته اكثر من اهتمامي باي شيء اخر، فواصل:
ـ ذهبت؛ ولكني لم استطع ان أنسى ما رأيته فبقيت أتذكره كلما شاهدت إمرأة تشبه أمي او كلما شتمني طفل ما، ولكنّ شيئاً واحداً كان يخفف من أوار النار التي كانت تستعر في داخلي.
ـ وما هذا الشيء؟
ـ كنت احب ان ارى زوج عمتي القصاب وهو يقوم بعمله، فقد كنت اشعر براحة كبيرة وانا أراه يقوم بذبح الأغنام ثم سلخ جلدها وتقطيعها الى قطع صغيرة، وفكرت في احد الايام ان أقوم بذبح احد الخراف فذهبت الى هناك وكدت افعل ذلك لولا ان راني ابن عمتي وأخبر أباه الذي أخذ السكين من يدي وهو يقول لزوجته مبتسماً باني قد أصبحت قصابا مثله ذات يوم.
توقف لبرهة ثم أضاف: لم يشعر احد منهم بالنار التي في داخلي والتي أملت بان تكون ايام العطلة الربيعية قد خففت منها، فعدت الى الشقة وعادت النار لتشتعل في داخلي من جديد.
ـ وكيف سارت حياتك بعد ذلك؟
ـ في تلك المرحلة كانت صورة دماء الخراف المذبوحة ما زالت عالقة في رأسي، كما ان صورة امي مع ذلك الرجل كانت هي الاخرى عالقة فيه، وما ان مرت عدة ايام حتى مضى ابي الى عمله فقررت ان اختبئ في غرفتي حتى اعرف ان كانت أمي ما زالت تخونه ام لا؟
ـ وهل بقيت فعلا هناك؟
اندهش بعض الشيء من تفاعلي معه لكنه لم يعبأ بذلك كثيرا فواصل كلامه وكأنه قد نسي وجودي بقربه فصار يسرد ما حدث بعد ذلك بانفعال وتأثر:
ـ لقد انتظرت هناك وفعلا جاء الرجل فاستقبلته أمي وأخذا يضحكان بصوتٍ عال لدرجة اني شعرت ان الصوت اخترق رأسي واحسست وكأن الدم صار يتصاعد الى رأسي، ولعلي لم اشعر بنفسي حينما أمسكت بسكين المطبخ ودفعت باب غرفتها فإذا بها ترفع رأسها لتراني فتجمد وجهها الجميل لبرهة وتغير لونه، فانقضضت عليها لأغرز السكين في رقبتها بلمح البصر.
لم أعد راغبا في ان أقاطع تأمله الذي دام للحظات، فقد تعاطفت معه في هذه الأثناء برغم بشاعة ما قام به، وبدأ خيالي يتحرك ليصور لي ما حدث بعد ذلك من تمزق الحياة السعيدة لتلك الاسرة الصغيرة عقب سجن الابن وصورة امه الخائنة وهي ملقاة على الارض وقد سالت دماؤها على رقبتها العارية.



