ثقافية

الإعلام وإنبعاث اللغة الثالثة

في عصر الإعلام يتوهج الحديث عن اللغة كونها الوعاء الذي لا يستطيع انفكاكاً، تمرر عبره الخطابات، الأفكار والرؤى، وبقدر الإقرار بهذه التلازمية المؤبدة، بقدر ما تثار إشكالات تضع اللغة العربية على محك التداول والنقاش مبرزة توجهات مختلفة حركت بدورها طروحات سابقة اعتقدنا أنها كانت من المفصول فيها.
ولا شك أن مع دخولنا عصر التقانة التي هي في حقيقتها ثورات لتقنيات الاتصال ومنظومات التواصل، وبنوك المعلومات والشبكات الرقمية، تبرز اللغة عموما والعربية خصوصا كواجهة لتحدي كبير، يُشرَح واقعها، تاريخها وخلفياتها وفق معطيات التعرية والتفكيك، والنقد والتحليل.
وضمن هذه المشهد الذي لا يخلو منه الراهن، تنبجس ثلاثة اتجاهات مختلفة:
الاتجاه الأول: نراه يؤسس لقدسية العربية الفصحى بعدّها إرثا حضاريا وثقافيا يمنحها الحق في الاستمرارية والبقاء والسيطرة المطلقة عبر الوسائط الإعلامية على تنوعها متبنيا أطروحة مشروعية لامتداد اللغوي لها، والتوسيع من دائرتها وقوتها، والتسريع بها.
الاتجاه الثاني: يراهن على محورية هذه اللغة وأحقيتها في انتاج المعرفة والإبداع وبالتالي فالعامية تحصيل حاصل كوجود واقعي الذي يعمد بالأساس إلى التشاركية معها وتعويضها كبديل أساسي ومنطقي حسبهم، متحججين بصعوبتها وبعدها التام عن اللهجات المنتشرة في الربوع العربي.
أما الاتجاه الأخير فهو النموذج الذي ولد من رحم الأزمة بين الاتجاهين لتقليص جنوحهما، فبرز كإطار مرجعي لغوي شكَله الانفجار الإعلامي وعمَق حتميته كمحرك شامل ورأسمال حيوي لا يمكن التحكم فيه وهو ما أصبح يسمى في عرف الإعلاميين واللغويين باللغة الثالثة.
ومفهوم اللغة الثالثة باختصار هو المزج بين العامية والفصحى كحل وسطي توفيقي مقابل حالة التعارض بينهما، ويبدو أن الإعلام بسلطة الانتشار قد منحها التواجد إن لم نقل الرسوخ.
وإذا كانت السينما أو المسرح قد غرقا وجنحا نحو هذا الاتجاه حد الإفراط بوعي أو دون وعي، فإن الإعلام قد بدا أكثر تأثيرا إن لم نقل (تخريبا) للغة العربية الفصحى بأن قلص استخدامها وأفرد للوجود ما أصبح يطلق عليه اللغة المحكية المثقفة التي أصبحت لغة الحوار والسجال إعلاميا، وأصبحت الفصحى لا تكاد تنبري إلا في نشرات الأخبار، أو المسلسلات التاريخية والدينية على أكثر تقدير..
وهكذا قاد الإعلام هذه اللغة وزاد من درجة إبرازها بفعل تعدد وسائطه وسهولة الانخراط والإبحار عبرها بل واكتساحها عوالم المعرفة التقليدية بشكل لافت لا متناهٍ.فقد تأقلم الإعلام العربي عموما مع هذه اللغة، وفسح لها الطريق عبر المنطوق خصوصا، حتى أصبح الإعلامي ومن يستدرجه في الحديث لا يعاني من الإحراج في استخدام هذه اللغة (الهجينة) التي جردت العربية من كل قاعدة تقريباً، ضمن سياق من التشويه واللاسلامة.
ولن نخوض هنا في العوالم الدلالية والمجازية للغة، وعبقريتها ومكانتها كلغة للوحي والرسالة بدءا، وتفاعلها فكرا وعلما بما أفرزته للعلم من قواعد وارهاصات استفادت منها البشرية قاطبة انتهاء، لأنه سيكون اجتراراً للحديث الذي سبقنا فيه الكثيرون، لكننا سنعلن عن موت اللغة الحية التي أحيت البشرية جمعاء، وكان متوقعا أن يعمل هذا الإعلام الذي يتغدى منها على إحيائها لا تهميشها واستبعادها بما أملته بعض الأفكار والرؤى النرجسية الثائرة التي تبنى معاييرها، ومرجعياتها من فكر الآخر الذي لا نراه يستخدم السلاح نفسه تجاه لغته، والتي لا ترى من سهام التغيير سوى سهام تطعن العربية في الصميم.إن اللغة الثالثة التي نعايشها اليوم تغتال في كل يوم حرفا، كلمة ومعنى وحتى قاعدة من لغتنا العربية الجميلة الساطعة، وإذا كان سبيل التطوير ومنهج التبسيط وجهتنا فإنه لا يقوم على قواعد الهدم غير المتناسق أو المدروس، بل على أسس تراعي سماتها الخاصة التي تتميز بها عن باقي لغات العالم الأخرى. لذلك فالرهان الذي نتكئ عليه هو العقلانية في الإبحار عبرها تقنيا، وفي استخدامها إعلاميا عبر التأسيس للغة إعلامية بسيطة لا مشوهة ولا شاذة بحيث تنصهر بصورة اعتباطية مع كل لهجة عربية على كثرتها وسط هذا التراكم التقني التواصلي العولمي الذي لا حد له ولا فاصل. وبالتالي فإن التعامل لابد أن يكون مثمرا، منتجا لا هادما وطاغيا وخاضعا لمآرب العولمة، وسهام التكنولوجيا، والمرجعيات الخاضعة والتفاعل السلبي.

د. سكينة العابد/ آكاديمية جزائرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى