خطوات تدمير العراق برؤية أمريكية


محمد حسن الساعدي
اعتمد العراق بعد عام ٢٠٠٣ على سياسة جديدة ، اعتمدتها السياسة الامريكية في هذا البلد بعد احتلاله ، اذ ألقت هذه السياسة بظلالها على المشهد السياسي عموماً، والاقتصادي خصوصاً ، حيث أمسى العراق بلداً فقيراً متراجعاً في شتى المجالات، إبتداءً من الملف الامني والذي لم تستطع المليارات التي صرفت ، ولا الحشود البشرية والمعدات العسكرية من حفظ أمنه وسيادته ، من خطر التدخل الأجنبي ، وأمست محافظاته الثلاث التي سقطت بيد الاٍرهاب الداعشي مرتعاً ودولة لهم ، وأضحى ساحة حرب للاطراف الإقليمية المتصارعة ، وأصبح الارهابي من مختلف الجنسيات يصول ويجول بحرية في ارض العراق ومائه ، ومن خلال لغة الأرقام التي اعتمدها متخصصون في السياسة التجارية والإصلاح الاقتصادي ، يمكن قراءة المشهد الاقتصادي من زاوية هذه الأرقام:
أولا: اخطر الخطوات التي قام بها الحاكم المدني في العراق «بول بريمر» بعد عام ٢٠٠٣ ، هي حل المؤسسة العسكرية والأمنية ، الامر الذي جعل البلاد مرتعاً للقوات الأجنبية ، وساحة حرب مفتوحة للقتلة والإرهابيين والمرتزقة ومن جميع الجنسيات ، وكان بالإمكان اعتماد مبدأ تشذيب المؤسسة العسكرية من البعثية والفاسدين ، وإعادة بنائها بما يحقق الأمن السريع للبلاد .
ثانيا: تهميش القطاع الخاص والاعتماد على الاستيرادات من الخارج ، حيث بلغت الاستيرادات من السلع الاستهلاكية نحو 410 مليارات دولار حتى عام ٢٠١٥ ، اذ لم تكن لهذه السلع اية أهمية إنتاجية للبلاد ، الامر الذي أدى الى تراجع القطاع الخاص وضياعه .
ثالثا: اعتمدت الحكومة العراقية عام ٢٠١٥ سياسة «التقشف» وعلى الرغم من هذه السياسة ، بلغ حجم الاستيراد العراقي نحو 44 مليار دولار ، بينما كانت واردات العراق النفطية لا تتجاوز 39 مليار دولار ، اي بعجز بلغ 5 مليارات دولار ، وهذا سببه السياسة المالية الفاشلة والفاسدة والتي كانت متبعة في معالجة المشاكل الاقتصادية ، وعدم وجود رؤية واضحة في معالجة العجز في الميزانية السنوية للدولة ، واتخاذ إجراءات تقشفية ملموسة في معالجة هذا العجز.
رابعا: الانخفاض الخطير واللافت لرصيد العراق من العملات الصعبة في مزاد البنك المركزي العراقي ، حيث انخفض من 88 مليار دولار الى 49 مليارا ، الامر الذي جعل البلاد مهددة بإعلان افلاسها .
خامسا: ما كان سبباً في تراجع الاقتصاد العراقي ، هو فتح باب الاستيراد على مصراعيه ، والغاء التعريفة الكمركية ، والإبقاء على ٥٪ (هذا ان وجدت في ظل الفساد وسيطرة الاحزاب السلطوية) ، الامر الذي جعل السوق العراقي يعيش حالة الركود ، وأصبحت المعامل والمصانع الإنتاجية الكبيرة مخازن للسلع المستوردة من الخارج .
سادسا: سعى الأمريكان الى انشاء طبقة تجارية ، لا علاقة لها بالوضع الاقتصادي أو التجاري ، عبر صفقات مشبوهة مع الجيش الامريكي ، والتي تحولت فيما بعد الى أدوات فاسدة ، وأصبحت فايروسات تهدد الكيان الاقتصادي ، عبر اعتمادها مبدأ «الربح السريع» ، بغض الطرف عن الاثار السلبية المترتبة على هذه السياسة .
سابعا: تهريب الأموال العراقية الى الخارج ، حيث بلغت الأموال المودعة في البنوك الاردنية لوحدها نحو 15 مليار دينار أردني ، اي بما يعادل 21 مليار دولار ، ناهيك عن الأموال المجمدة والمودعة في اغلب البنوك والمصارف العربية والأجنبية .
السياسية الاقتصادية والفساد الاداري في مؤسسات الدولة كافة ، كانت سبباً مباشراً في انهيار الاقتصادي ، وتراجع الدينار العراقي أمام العملات الصغيرة الاخرى ، وغيرها من سياسات واجراءات كانت سبباً من أسباب التراجع الاقتصادي في البلاد ، اذ هناك تراجع واضح في المجال الصحي ، وتوفير السكن للمواطنين ، والتضخم الكبير واللافت في العاصمة بغداد ، والتضخم في مؤسسات الدولة من حيث إعداد الموظفين اذ بلغ أعدادهم اكثر من 4 ملايين موظف ، في حين كان عدد موظفي الدولة لا يتجاوز 400 الف موظف ، كما أن عدم وجود قاعدة بيانات موحدة يمكن اعتمادها والرجوع لها ، واعتماد مبدأ الاجتهاد في عمل الوزارات ومؤسسات الدولة ، سبباً في ترهل المؤسسات وأصابتها بالشيخوخة ، ناهيك عن عدم وجود الموازنة الاستثمارية في موازنات العراق الحالية ، الامر الذي يجعل العراق يعتمد على حركته الاقتصادية على النفط فقط ، والذي هو الاخر غير ثابت على الزمن الطويل ، وتعطيل المشاريع والتي بلغت اكثر من 9000 آلاف مشروع معطل ، بقيمة فعلية تقدر بنحو 206 مليارات دولار ، وخسارة العراق فقط في احتلال الاٍرهاب الداعشي للموصل اكثر من 28 مليار دولار. عدم تبني السياسات الاقتصادية الواضحة ، والفساد المستشري ، وسيطرة الاحزاب النافذة على مفاصل الدولة الاقتصادية ، والجهل الاقتصادي لدى التجار العراقيين ، ويبقى السؤال متى سكون للسياسة والسياسيين دور في دعم الاقتصاد العراقي وكيف سيحدث التغيير والتحديث في عقلية الساسة العراقيين لكي يجعلوا من الاقتصاد هدفا لهم ولسياساتهم ، وكيف يمكن للاقتصاد أن يدخل في صناعة قراراتهم ، وان يكون الاقتصاد جزءا من ثقافتهم ، عبر تطوير القطاع العام وتنميته وتحقيق الازدهار والرفاهية للجميع ، وان كان هذا يبدو أمرا بعيد المنال وليس له على أجندة السياسيين مكان لا من قريب ولا من بعيد .



