اراء

دلالات الرد الإيراني الجسور على المقترحات الأميركية

بقلم: حسن نافعة..
جاء الرد الإيراني على المطالب الأميركية الأخيرة جسوراً وصادماً للرئيس ترامب، ليس من حيث الشكل فحسب وإنما من حيث المضمون أيضاً.
فمن حيث الشكل، راح الرئيس ترامب يردد قبل وصوله أن إيران هزمت ولم يعد أمامها من خيار آخر سوى الاستسلام، وأن الوقت المتاح أمامها للرد ليس مفتوحاً، وبالتالي فإن أي مماطلة من جانبها ستلحق بها الكثير من الأذى، بينما بدت إيران واثقة من نفسها وحريصة على التعامل مع ترامب من موقع الند، عبر التعبير عن رفضها لأساليب الضغط والابتزاز، والتأكيد أن مواقفها تمليها مصالحها الوطنية وحدها، ما يفسر تعمّدها عدم التعجل في الرد الذي لم يسلم إلى الوسيط الباكستاني إلا بعد توقف ترامب عن توجيه إنذاراته الجوفاء، والإعلان عن لقاء المرشد الأعلى بكل من رئيس الجمهورية والقائد العام لمقر خاتم الأنبياء، لتأكيد كذب الادعاءات الأميركية حول عجز المرشد الأعلى عن ممارسة مهامه، ولنفي وجود فراغ في آلية صنع القرار أو صراع على السلطة في إيران.
أما من حيث المضمون، فجاء الرد الإيراني مغايراً لتوقعات ترامب، الذي عجز عن التعامل معه بشكل موضوعي وراح ينعته بأوصاف لا تمت للدبلوماسية بصلة، من قبيل أنه رد “غبي” و “غير مقبول إطلاقاً”، قبل أن يشرع في ممارسة هوايته المفضلة في كيل المديح لنفسه وتضخيم منجزاته الوهمية.
ورغم قيامه بالاتصال بنتنياهو قبل الإدلاء بأي تصريحات إعلامية حول الرد الإيراني، فقد حرص في الوقت نفسه على الإدلاء بتصريحات يؤكد فيها أن أحداً لا يستطيع أن يملي عليه ما يجب القيام به، وأن قراراته تنبع من المصالح الأميركية وحدها وتسعى لتحقيقها، وهو ما يصعب التسليم به.
لا تتوافر معلومات كافية عن فحوى الرد الإيراني، لكن ما نشر عنه يكفي لاستنتاج أنه يتمحور أساساً حول مسألة أساسية تعكس عدم الثقة التامة في الولايات المتحدة عموماً، وفي الرئيس ترامب على وجه الخصوص، ومن ثم يؤكد حاجة إيران الماسة إلى ضمانات دولية تصلح لتحصين أي اتفاق يمكن التوصل إليه، كي لا يستطيع ترامب أو أي رئيس أميركي آخر يأتي بعده أن يتنكر له مثلما حدث مع الاتفاق الذي سبق لإيران أن أبرمته عام 2015 مع مجموعة 5+1.
فترامب يحاول إقناع العالم بأن السبب في عدم التوصل إلى اتفاق حتى الآن يعود إلى إصرار إيران على مواصلة برنامجها النووي غير السلمي، وهو ادعاء غير صحيح لأن إيران أبدت استعدادها للقيام بكل ما هو ضروري لإثبات سلمية برنامجها النووي، بدليل موافقتها على تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى الحدود التي يستحيل معها تصنيع قنبلة نووية، بما في ذلك الوصول إلى نسبة تخصيب تقل عن النسبة المنصوص عليها في اتفاق 2015 والالتزام في الوقت نفسه بعدم تخزين أي كمية من اليورانيوم المخصب في المستقبل، فضلاً عن موافقتها على معالجة الكمية المخصبة حالياً بنسبة 60% بما يؤدي إلى تخفيض نسبة التخصيب إلى 20% كحد أقصى، مع الالتزام في الوقت نفسه بتمكين الوكالة الدولية للطاقة النووية من التفتيش الدائم على منشآتها النووية للتأكد التام من سلمية برنامجها النووي، بما في ذلك القبول بالتفتيش المفاجئ من دون سابق إنذار.
ورغم ذلك كله، ما زال ترامب يصر على التفكيك التام لبرنامج إيران النووي، بما في ذلك تدمير أجهزة التخصيب، وهو مطلب غير قانوني ويخالف نص وروح اتفاقية حظر الانتشار النووي التي ما تزال إيران طرفاً فيها. والأغرب أنه ما زال يصر على أن تتسلم الولايات المتحدة بنفسها كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. لكن، ماذا لو استجابت إيران لهذه المطالب، رغم عدم قانونيتها، ثم جاء ترامب، أو أي رئيس أميركي آخر في المستقبل وألغى الاتفاق الجديد ثم أعاد فرض العقوبات المشددة، مثلما فعل ترامب من قبل؟ من المؤكد أن إيران ستكون قد خسرت كل شيء ولم تعد لديها أوراق يمكن استخدامها للضغط أو للمساومة، ما يفسر تمسكها بضمانات دولية تفرض الالتزام بأي اتفاق جديد يتم التوصل إليه.
تدرك إيران جيداً أن الهدف من إصرار ترامب على تفكيك برنامجها النووي، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات تضمن سلميته، هو حرمانها من أي معرفة علمية أو تكنولوجية تسمح لها بالتقدم على على طريق التنمية، وهو هدف يتسق تماماً مع سياسات إسرائيلية سعت دوماً لقطع الطريق أمام أي دولة عربية أو إسلامية تحاول النهوض والإفلات من إسار الجهل والتخلف، خصوصاً إذا توافرت لديها إرادة سياسية مستقلة تحرص على بناء نموذج للتنمية المعتمدة على الذات وترفض الدوران في فلك التبعية للقوى الاستعمارية أو الطامحة للهيمنة.
بعبارة أخرى، يمكن القول أن إيران تدرك جيداً أن السبب الرئيسي في اندلاع الأزمة مع الولايات المتحدة لا يعود إلى الرغبة في حرمانها من امتلاك سلاح نووي لا تطمح إلى حيازته، وإنما القضاء على تجربتها التنموية والحضارية المستقلة وإجبارها على الدوران في فلك السياسة الأميركية، وذلك لإفساح الطريق أمام اكتمال الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، وهو ما ترفضه بالمطلق وتعده تهديداً وجودياً يجب مواجهته بكل الوسائل الممكنة، مهما بلغت التكاليف أو التضحيات، ويفسر لماذا لا تقتصر الضمانات المطلوبة على الحيلولة دون انسحاب الولايات المتحدة مجدداً من أي اتفاق يتم التوصل إليه، وإنما تتضمن أيضاً إنهاء الحرب على كل الجبهات، خصوصاً على الجبهة اللبنانية.
فقد شاركت الولايات المتحدة في الحرب على إيران إلى جانب “إسرائيل”، لأنه لم يكن بمقدور الأخيرة شن الحرب بمفردها على إيران، وهو ما لم تقم به في الحروب التي اندلعت على الجبهات الأخرى، خصوصاً على الجبهتين الفلسطينية واللبنانية.
صحيح أن “إسرائيل” ترى فيها حرباً واحدة، بدأت بالحرب على “أذرع إيران في المنطقة” ومن الطبيعي أن تنتهي بالحرب على “رأس الأفعى” التي تجسدها إيران، بل وتطالب الدول العربية بالانضمام إليها في هذه الحرب التي تعكس “اختراق إيران لدول المنطقة” ولمواجهة “عدو مشترك”، وهي كذبة صدقتها بعض الدول العربية وخدعة انطلت عليها. فالحرب التي شنتها “إسرائيل” على قطاع غزة ليست في حقيقة أمرها حرباً على حماس “المتطرفة أو الإرهابية” وإنما حرب على شعب فلسطيني تحتل أرضه منذ عام 1967، بينما لم تنشأ حماس إلا في عام 1987، أي بعد عشرين عاماً من احتلال “إسرائيل” لما تبقى من فلسطين التاريخية.
ولو أن “إسرائيل” كانت قد أنهت احتلالها وانسحبت لما قامت حماس أصلاً. والحرب التي تشنها “إسرائيل” على جنوب لبنان ليست في حقيقة أمرها حرباً على إحدى “أذرع إيران”، كما تدّعي “إسرائيل”، وإنما هي حرب على شعب لبناني احتلت جنوب بلاده عام 1978، أي قبل خمس سنوات من تأسيس حزب الله، ثم اجتاحت عاصمته عام 1982 وفرضت عليه بقوة السلاح “معاهدة سلام”.
وتلك كلها وقائع يجب أن تتذكرها أنظمة وشعوب المنطقة ككل، وليس الأنظمة والشعوب العربية وحدها، كي يستقر في يقينها من جديد أن المشروع الصهيوني هو الخطر الحقيقي الذي يهددها جميعاً، وأن عليها أن تتوحد في مواجهته. فمهما كانت الخلافات القائمة فيما بينها فستظل خلافات ثانوية أو فرعية إذا ما قورنت بالتهديد الرئيسي المشترك الذي يجسده المشروع الصهيوني في المنطقة.
لا يخدم الرد الإيراني الجسور، والذي يستهدف إنهاء الحرب على كل الجبهات كمدخل لمعالجة الأزمات المتشابكة في المنطقة، مصالح إيران وحدها وإنما ينطوي على نهج يمكن الارتكاز عليه لتحقيق أمن واستقرار المنطقة وربما العالم أجمع. فضمان حرية وتدفق التجارة العالمية عبر مضيق هرمز يمكن أن يتحقق في إطار معاهدة دولية تبرم بين إيران والدول المشاطئة للخليج بما يتفق مع روح ونصوص القوانين الدولية.
وضمان احتكار دول المنطقة للسلاح وحظر حمله على الفاعلين من غير الدول، يمكن أن يتحقق من خلال العمل على مستويين، الأول: اتفاقية جماعية شاملة لتسوية الصراع مع المشروع الصهيوني في المنطقة، على أساس انسحاب الكيان الصهيوني من الأراضي المحتلة كافة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967. الثاني: اتفاقيات منفصلة تبرم بين الأطراف المتصارعة داخل الدول غير المستقرة، خصوصاً لبنان وسوريا والعراق واليمن وليبيا.
وضمان حل المشكلات العالقة في برنامج إيران النووي يمكن أن يتحقق من خلال اتفاقية عامة تستهدف إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، من ناحية، وإنشاء بنية إقليمية لتخصيب اليورانيوم واستخدامه في الأغراض السلمية، من ناحية أخرى. ولأن هذه الأهداف الطموحة غير قابلة للتحقيق إلا إذا ألقت القوى الكبرى بثقلها وراءها، نأمل أن تؤدي الزيارة التي يقوم بها ترامب للصين حالياً إلى اتفاق بين الطرفين يساعد على وقف الحرب على جميع الجبهات.
ولأن نتنياهو هو السياسي الوحيد الذي له مصلحة في أن تظل الحرب مشتعلة في المنطقة، ونجح في جر ترامب من قبل للمشاركة معه في حربين على إيران، يخشى أن ينجح في إقناعه مرة ثالثة باستئناف الحرب من جديد، لكن الحرب هذه المرة لن تكون مثل سابقتيها، لأنها ستؤدي ليس إلى تدمير مصادر الطاقة في المنطقة فحسب وإنما تتحول بسرعة إلى حرب إقليمية شاملة وربما إلى حرب عالمية.
لذا، على العالم كله أن يتوحد لوقف مجرم حرب مطلوب أمام المحكمة الجنائية الدولية والبدء في معالجة مشكلات المنطقة كحزمة واحدة، فهذا هو السبيل الوحيد لتحقيق استقرار المنطقة وأمن العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى