بكين لا تنتصر بالحرب.. بل بصبر الإمبراطوريات

بقلم: د. وائل عوّاد..
هناك مقولة دبلوماسية قديمة تقول: “الرجل الذي يسافر هو الرجل الذي يحتاج.” وعندما تهبط طائرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “إير فورس وان” في بكين، بصفته أول رئيس أمريكي في منصبه يزور الصين منذ نحو عقد، يصبح السؤال الحقيقي ليس ماذا سيقول الرجلان، بل: من منهما يحتاج الآخر أكثر؟ الإجابة هذه المرة ليست مريحة لواشنطن.
ترامب يصل إلى الصين بينما تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا متزامنة:
ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، حرب مفتوحة مع إيران تستنزف القدرات الأمريكية، انتخابات نصفية تقترب بسرعة، ستكون فيها القضايا الاقتصادية المعيشية أكثر حسماً من أي خطاب أيديولوجي.
والأهم من ذلك، أنه يصل طالبًا من شي جين بينغ ما لم تستطع واشنطن انتزاعه وحدها: الضغط على طهران للوصول إلى تسوية توقف نزيف الحرب. في المقابل، يدخل شي القمة من موقع مختلف تمامًا. فالرجل أمضى السنوات الأخيرة يعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بالصين بهدوء وصبر طويل النفس، بينما كانت واشنطن تستهلك جزءًا كبيرًا من طاقتها في الحروب، والاستقطاب الداخلي، والأزمات المتلاحقة.
من يحتاج من؟ عندما زار ترامب بكين لأول مرة عام 2017، استقبلته الصين بعرض إمبراطوري كامل: عشاء داخل المدينة المحرمة، مراسم ضخمة في ساحة تيانانمن، صفقات تجارية بمئات المليارات.
آنذاك، كانت بكين لا تزال تختبر طبيعة ترامب وتحاول احتواءه عبر الدبلوماسية الاستعراضية. أما اليوم، فلم يعد شي بحاجة إلى المسرحيات الرمزية. لقد فهم ترامب جيدًا. ففي ذروة الحرب التجارية عام 2025، عندما رفعت واشنطن الرسوم الجمركية إلى مستويات غير مسبوقة، لوّحت بكين بورقة المعادن الأرضية النادرة، تراجعت واشنطن سريعًا. ذلك المشهد لم يُقرأ في الصين فقط، بل سُجّل بعناية في كل العواصم الكبرى: حين تضع بكين خطًا أحمر استراتيجيًا، تصبح واشنطن أكثر حذرًا مما تعترف به علنًا. لهذا، لا يستقبل شي هذه المرة رئيسًا أمريكيًا يملي الشروط، بل زائرًا استنفد جزءًا كبيرًا من خياراته.
الحرب مع إيران غيّرت كل شيء في الأصل، لم تكن هذه القمة مخصصة لإيران، كان جدول الأعمال يدور حول: التجارة، أشباه الموصلات، الذكاء الاصطناعي، والمعادن النادرة. لكن الحرب أعادت ترتيب الأولويات العالمية. اليوم، لم تعد واشنطن تبحث فقط عن اتفاق تجاري مع الصين، بل عن مخرج استراتيجي من أزمة تهدد: الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والاستقرار السياسي الداخلي الأمريكي. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الولايات المتحدة، التي سعت لسنوات إلى احتواء الصين، تجد نفسها مضطرة للجوء إليها للمساعدة في احتواء إيران.
لقد زار وزير الخارجية الإيراني بكين في الآونة الأخيرة، وتدرك واشنطن جيدًا أن الصين أصبحت أحد الأطراف القليلة القادرة على التأثير الحقيقي في حسابات طهران.
وهكذا، يدخل ترامب القمة وهو بحاجة إلى ثلاثة أمور دفعة واحدة: مساعدة صينية في الملف الإيراني، تدفق المعادن النادرة لإعادة بناء سلاسل التوريد الأمريكية، اتفاق اقتصادي يمكن تسويقه داخليًا قبل الانتخابات.
وفي عالم التفاوض، طلب ثلاثة أشياء حيوية من الطرف نفسه ليس موقع قوة بل اعتراف ضمني بالاحتياج.
الصين لا ترى ترامب كخصم.. بل كظاهرة يمكن إدارتها
في بكين، لا يُنظر إلى ترامب باعتباره خصمًا أيديولوجيًا تقليديًا، بل كقوة غير مستقرة يمكن توجيهها والاستفادة من تناقضاتها.
فالرجل الذي رفع شعار “أمريكا أولًا” منح الصين، من حيث لا يقصد، فرصة تقديم نفسها باعتبارها المدافع الأكثر اتزانًا عن: الاستقرار العالمي، التجارة الدولية، والانفتاح الاقتصادي.
بل إن بعض الدوائر الصينية ترى أن إدارة بايدن كانت أكثر خطورة على الصين من ترامب نفسه، لأنها امتلكت: استراتيجية احتواء أكثر تماسكًا، وتحالفات أقوى، وضغطًا تكنولوجيًا أكثر تنظيمًا.
أما ترامب، فرغم عدائيته، فإنه يخلق في الوقت نفسه فراغات استراتيجية تستفيد منها بكين: عبر التشكيك بالحلفاء، وإضعاف المؤسسات متعددة الأطراف، وتحويل السياسة الخارجية إلى صفقات قصيرة المدى.
هرمز وتايوان.. جبهة واحدة
أخطر ما كشفته الحرب مع إيران ليس فقط هشاشة أسواق الطاقة، بل الترابط المتزايد بين: مضيق هرمز، ومضيق تايوان.
ففي العقل الاستراتيجي الأمريكي، أصبحت الجبهتان مترابطتين: كل حاملة طائرات تُرسل إلى الخليج تعني موارد أقل في المحيط الهادئ. والصين تراقب ذلك بدقة شديدة. بكين تدرس اليوم: معدلات استنزاف الذخائر الأمريكية، استهلاك منظومات الدفاع الصاروخي، قدرة واشنطن على خوض حروب طويلة، ومدى استعداد الحلفاء لتحمل كلفة المواجهة.
كل يوم تستمر فيه الحرب مع إيران يمنح الصين مختبرًا استراتيجيًا حيًا لدراسة حدود القوة الأمريكية. لكن بكين ليست مرتاحة بالكامل. إغلاق مضيق هرمز يهدد واردات الطاقة الصينية، ويضر بمشاريع “الحزام والطريق”، ويكشف هشاشة الاقتصاد العالمي الذي تعتمد عليه الصين نفسها. لذلك، لا تريد بكين انتصارًا أمريكيًا كاملًا ولا انهيارًا إيرانيًا شاملًا، إنها تريد حربًا محدودة تُضعف واشنطن دون أن تفجّر النظام الدولي بالكامل.
السؤال الحقيقي
قد تكون زيارة ترامب إلى بكين لإظهار القوة، في الوقت الذي يركز فيه الكثير من المراقبين الآسيويين على سؤال مختلف تمامًا:
هل ما تزال الولايات المتحدة تمتلك الصبر السياسي، والقدرة الاقتصادية، والتماسك الاستراتيجي الكافي للحفاظ على قيادتها للنظام الدولي في وقت تواجه فيه أزمات متزامنة تمتد من مضيق هرمز إلى مضيق تايوان؟
هذا هو جوهر القمة الحقيقي. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بمن سيربح الحرب التجارية، أو من سيحقق صفقة أفضل.
لقد دفعت ولايتا ترامب الرئاسيتان ذلك المشروع الصيني قُدُماً بما يعادل عقدًا كاملًا؛ ليس لأن ترامب كان يسعى إلى مساعدة الصين فهو لم يفعل ذلك قطعًا بل لأن محاولته المستمرة لزعزعة النظام الدولي القائم أضعفت، في الوقت نفسه، موقع الولايات المتحدة داخل هذا النظام ذاته. النظام الليبرالي العالمي الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية تشكّل أساسًا بقوة أمريكية، وصُمم إلى حدّ كبير لخدمة المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لواشنطن. ولذلك، لا يمكن تفكيك هذا النظام أو إضعاف مؤسساته وتحالفاته، ثم توقّع أن تبقى أمريكا المستفيد الأكبر من عملية التفكيك نفسها.
لقد أدرك شي جين بينغ هذه الحقيقة مبكرًا. ومنذ البداية، تعامل مع التحولات الأمريكية بصبر استراتيجي طويل النفس، مستفيدًا من حالة “الاضطراب الذاتي” داخل الولايات المتحدة، ومحولًا جزءًا كبيرًا منها إلى مكسب جيوسياسي للصين.
الاستقبال كان دافئًا، والمأدبة الرسمية فخمة، والبيان الختامي مصاغًا بعناية دبلوماسية شديدة. سيبتسم شي وسيعلن ترامب الانتصار أمام جمهوره الداخلي. لكن، وفي مكان ما داخل أروقة “تشونغ نان هاي”، ستستمر اللعبة الحقيقية اللعبة الطويلة التي تراهن فيها بكين على الزمن، وعلى قدرتها على الصعود الهادئ بينما يواصل خصمها استنزاف نفسه بنفسه.. وربما لهذا السبب تحديدًا، يدرك شي جين بينغ تمامًا من الذي يقرع الباب هذه المرة.



