زها فارس: الفن يجب أن يأخذ سمة العصر ويكون حاضراً وشاهداً على الوقت والزمن


حاورها/ عزيز البزوني
* حدثينا عن بداياتك مع الفن التشكيلي وكيف بدأ المشوار؟
ـ في حياتي المدرسية كانت لدي ميول ادبية وفنية، وحين تخرجت من الثانوية العامة توجهت لتخصص الفنون الجميلة في جامعة القدس، وبعد التخرج توجهت للتعليم في المدارس لمادة الفنون والحرف. في عام 2014 من جديد رجعت لرغبتي وبدأت بالرسم محاولة استرجاع واستجماع ما في داخلي من رغبة في الرسم والتجريب، وانجزت العديد من الاعمال خلال عام واحد، وسنحت لي الفرصة بالترشيح بعد سلسلة اعمال انجزتها ونشرتها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي بإقامة معرض شخصي اول في مدينة القدس المحتلة كانت تجربة بنظري مهمة تستحق ان تكون بداية لمشواري القادم في مجال الفن، حيث مهدت لي فرص جديدة ومعارض اخرى في امارة دبي وامارة الشارقة والاردن ومدينة يافا المحتلة.
* كيف ترين واقع الفن التشكيلي الفلسطيني؟
ـ في ظل ظروف الاحتلال الفلسطيني الطويل وفي ظل المقاومة المستمرة الفلسطينية نمط فني تعبيري لمدى طويل، وما زال يعبر عن ظروف الاحتلال والقتل والاعتقال وكل اشكال الحرب القائمة والقادمة، واخذ الفنان الفلسطيني يواجه الاحتلال بأعماله الفنية المعبرة عن الحال القائمة وتضمنت اللوحات الفلسطينية نمطا تراثيا محاولا في ذلك إحياء وإثبات الهوية الفلسطينية والتراث، مما سبب نمطية فنية كحالة قائمة بذاتها وضيق الانفتاح في الفن التشكيلي الحديث والمعاصر في فلسطين اضافة لعدم الاستقرارالسياسي والاقتصادي والثقافي ضيق الافق في ظهور اجيال شابة جديدة فنانة تنهض بالحركة التشكيلية الفلسطينية، وسيطرت الرؤوس السياسية على الحركات الفنية تبعاً للديانة والانتماء الحزبي، كل هذا حال دون الرقي والسعي في النهوض بالحركة الفنية التشكيلية الفلسطينية.
* ما الذي قدمته زها للقضية الفلسطينية؟ وما تعانيه من احتلال وظروف صعبة في المحافل العربية والعالمية لنقل واقع الحال في الاراضي المحتلة؟
ـ بدايتي كغيري بصمة الانتماء والاهتمام بالقضية والحال شيء لا بد منه وجب ان يظهر في مشوارنا الفني، ولا يمكن تخطي هذه المرحلة كواجب وطني ونوع من المقاومة، وبما ان الفن رسالة كان لا بد من هذه الرسالة الوطنية في البداية. انت فلسطيني، اذن انت تعاني، اما اذا كنت فلسطينيا مثقفا او فنانا فستكون المعاناة اكبر ستحارب وستقف العراقيل في طريقك. امكانية التنقل في الوطن نفسه فلسطين صعبة جدا بسبب نقاط التفتيش التي لا تعدّ ولا تحصى ونبش وبعثرت ما لديك في كل رحلة او مكان تنتقل اليه قد يصل الامر الى اعتقالك او اتلاف ما لديك. في مشواري الاول تنتمي للحال والواقع الذي نعيشه وكانت لوحاتي رسائل مني للعالم تعبر عن الصمود والتهجير ومصطلحات اخرى تتعلق بواقعنا وحملت ايضا رموزا فلسطينية كدلالات على ارثنا وحضارتنا وتراثنا.
* ما علاقتك بالفن والفنانين العراقيين على مستوى التشكيل؟ وهل انصفك النقاد خلال مسيرتك الفنية؟
ـ الفن العراقي فن عريق ومرموق والعراق منشأ الحضارات والفنون العربية والعالمية ايضا، والشواهد على ذلك كثيرة جدا لا تحصى ولا يمكننا الحصر بعدد اسماء الفنانين العراقيين. حقيقة لا علاقة لي بفنانين عراقيين بطريقة مباشرة وانما اقرأ الكثير عنهم وأشاهد الكثير من اعمالهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ولي اصدقاء منهم يبدون آراءهم ويعطون وجهة نظرهم واسعد بالكثير منهم، اما قضية انصاف النقاد لي من خلال مسيرتي الفنية بكل مكان وبكل مقام فهناك آراء تتضارب منها يصيب ومنها يخيب، ولكن اغلب تجاربي كان هناك ثناء عليها. انا فنانة في بداية مشوارها لا بد من الاخذ بكل الآراء واستيعابها والاخذ بالبناء والمفيد منها، لكنني اذكر جيداً ثنائي ومديحي تجاه مجموعة لوحات معرض صدى ومديح آخر تجاه مجموعة لوحات في معرضي في الشارقة اسعدتني كثيرا من فنانين ونقاد وادباء، وشعرت انها انصفتني في امكنة ما وكل مرة يذكر بالثناء على حسي الفني.
* ما الخدمات التي قدمتها زها فارس للفن التشكيلي الفلسطيني من اجل الهوية وتطويرها؟
ـ انا اسعى واريد واتمنى ان اقدم، وما زال الطريق ببدايته وما زال بجعبة الكون الكبير الكثير من الخبايا الفنية المدهشة التي لو نطولها لنقدم ونثري الفن التشكيلي الفلسطيني. ما قدمته سابقا وما سأقدمه لاحقا قد يكون بذرة تثمر وتمنح التشكيل حالا او حركة او خصوصية جديدة. لا اخفي ولا انكر على ذاتي خصوصيتي الفنية في معرضي السابقين (صدى) و(حالات انسانية) وان هناك طابعا جديدا مختلفا عما قدمه السابقون من الفنانون ومن يعاصرني حاليا. لست افضل ولكني مختلفة, إذ حدث خلال معرضي في الشارقة أن وقف فنان اجنبي الجنسية اثناء الجلسة النقدية التي تبعت المعرض وقال: لو اني شاهدت هذه الاعمال في مكان اخر ومن دون ان اعرف صاحبها لما توقعت انها اعمال فنان عربي الاصل. اظن ان موضوع المعرض اتاح الفرصة لتغيير الاسلوب والرموز فقط كان بحثا بعيدا عن السياسة كان يفتش عن احوال الانسان العادي وما يواجهه من حب وقلق وانتظار وغيرها من مشاعر تعتري الانسان. اتمنى ان تتطور هذه التجربة واسعى لذلك لتمنح بعدا فنيا تشكيليا جديدا بعيدا عن النمطية السائدة في الفن التشكيلي الفلسطيني. ليس الهدف الخروج من السرب ولكن الهدف اعطاء شكل جديد.
* حدثينا عن معرض (صدى) و(حالات) انسانية؟
ـ البداية دائما مثيرة ومهمة، وفيها ثقل وبداية حمل المسؤولية التي اوكلت نفسي بها, معرض (صدى) المعرض الشخصي الاول في العاصمة القدس المحتلة حيث كان مجرد الوصول الى القدس حلما وصعبا كوني من حملة الهوية الخضراء من الضفة الممنوعين الدخول اليها, وكانت هذه التجربة هدفها الاول تعزيز الصمود داخل اسوار القدس والالتفاف حول القضية, قدمت مجوعة لوحات كما ذكرت سابقا تحاكي الوضع والحال القائم في القدس وفي فلسطين عامة مضمونها اجسام متلاحمة ثابتة تهيئ معنى للصمود والرسوخ ومرة للرحيل ومرة للتلاقي ومرة للثورة متبعة فيها نمطا تعبيريا تجريديا بطريقتي الخاصة بالالوان الزيتية. اما في تجربتي الثانية في معرض (حالات انسانية) او حالة روح الامر فمختلف تماما نوعا ومضمونا ومادة كان هناك عنصر المفاجئة من حيث النقلة النوعية في الاسلوب والمضمون كانت تجربة عميقة تمس شخصي وتعنى بالتعبير عن ذاتي وعن اخرين من مشاعر انسانية مربوطة بالواقع تحمل في ثناياها صوراً عن الفكر والشور الداخلي للانسان وما ينتابه من موجات عاطفية ما كان مختلفا في هذه التجربة الاسلوب، الذي سقط مني بشكل عفوي والالوان المائية والطريقة التعبيرية للفجر وابطال اللوحات كانت تجربة ذاتية مهمة عكستني وصقلت شيئاً بذاتي.
* كيف نجعل من الفن التشكيلي مشروع القضية الفلسطينية؟
ـ لو اطلعت على الفنون الفلسطينية لوجدتها نابضة بالقضية وموثقة للاحداث والوضع كما ذكرت سابقا, لو اطلعنا على اعمال الفنان الفلسطيني المرحوم اسماعيل شموط لرأيت القضية كلها كانت وما زالت تنبض بالوثائق وشاهدة على القضية كلها، وكذلك الفنان التشكيلي سليمان منصور وغيره من فنانين سابقين ولاحقين ما يهمنا الان كيف نمضي بالسابق ونضيف اليه شكلا فنيا عصريا حديثا للنهوض بالحركة التشكيلية الفلسطينية في ظل الظروف، وكيف نعطي القضية بعدا فنيا معاصرا يحاكي العالم كله.
* ما الرسالة التي يحملها فنك التشكيلي والذي تودين ايصاله؟ وماذا يمثل الفن التشكيلي بالنسبة لحياتك؟
ـ ليس هناك رسالة واحدة، هناك رسائل الحياة متغيرة ومليئة بالقضايا والظروف والاحوال, والفن يجب ان يأخذ سمة العصر ويكون حاضرا وشاهدا على الوقت والزمن, على الفنان ان يكون شاملا، وكما قال الفنان السوري العريق احمد معلا “ان تكون انسانا خير من ان تكون محترفا”. ان تنتمي لواقعك الذي هو واقع الغير ايضا وان تنقل احوال الزمن من حولك هو رسالة في كل حين، وكما يقال “لكل مقام مقال”, حيث ان الفنان وانا وحتى الشعراء من مدة لاخرى تتغير الرسالة وتأتي قضية جديدة ويتغير. ما يشغلنا بالنسبة الى اكثر ما يشغلني الفكر الانساني والشعور الانساني. الفن يمثل الجانب الاخر من الحياة الواقع الاخر النافذة الاخرى لكينونتي والشعور بذاتي, وهو البقاء لي بعد الوفاة والخلود برغم اندثار البدن. نحن على سبيل الخلود نرسم نكتب نغني, وهو طريق طويل يحتاج التأمل التفرغ والاستمرار ويحتاج ان تكون انسانا حقيقيا ليس مزيفا.



