المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي


فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.
الفصل السابع
فُتح الباب فانذلق الدخان المسمم إلى أنفي ولفحت بقايا العاصفة وجهي, فقالت: لقد آن الآوان للرحيل هيا فهذا أنسب وقت لخروجك من ديوان القرابين وسط هذا الاحتفال. ارتجف جسدي وشعرت بحروف كلماتها تتحول إلى قبضة حديدية تنزع روحي, لم يكن لي خيار غير أن ألملم بقايا ذكرياتي المتناثرة معها خلف باب الديوان وأرحل, مضيت للخارج أتقدم خطوة وأتراجع أخرى فاندس جسدي وسط الرعية المتراقصين على دق الأواني والهاتفين بروح الإله “نتر”، لكن روحي ما زالت تقف أمام باب الديوان، ربما تتراجع وتأمرها بالبقاء, ذاب جسدي وسط الزحام لكن صوتها ما زال يرافقني ويدفعني نحو الأمام: هيا هيا تقدم ولا تجعل أي شيء يفسد نيتك في سرعة تحقيق ما تريده, هيا حطم الخوف وازرع الأمل في قلوب الخائفين والمضطربين، هيا اجعل من روحك كلمة حق، فالروح هي المدد الإلهي الذي ينقذ الرعية, هيا فاليوم بداية الاختيار وعليك أن تختار ما تريد أن تحاسب عليه, هيا تقدم وسر على درب الأمل لكن لا تنسَ أن تكون حذراً دائماً. تقدمت للأمام وأنا أتأمل بحقد قسمات وجه الجند الساخرة من صيحات الرعية التي تروي أساطير نضالهم في الحياة من أجل البقاء, علمت أن الإله “نتر” أمر بذبح ألف حمار وخمسمئة بغل من تلك التي كانت تعمل في بناء سور العاصمة والتي انتهت صلاحيتها وأصبحت غير قادرة على العمل، فأمر بذبحها وتقديم لحمها للرعية, لم يترك شيئاً في العاصمة إلا واستغله الإله “نتر” في تحقيق حلمه في تحصين العاصمة بسور عملاق. وعمد إلى استخدام أسلوب السُخرة في العمل لاستكمال بناء السور، الأمر الذي أسفر عن مقتل الآلاف، وكان يجبر الرعية على مشاهدة تنفيذ حكم الإعدام على من يخالف القواعد الصارمة التي وضعها ومنهم من قرروا الانتحارهروباً من قسوة الجوع.
تهتف ألسنة الرعية بروحه لكن أصواتهم الهامسة تسخر منه, فأتعجب وأبتسم وأنا أتابع بأذنيّ همساتهم فيما بينهم، هذا يلعنه ويقول: إنه متعطش للدماء وأكل لحوم البشر. فيهمس له من بجانبه: لقد سمعت عنه أنه إذا لم يجد من يقتله لقتل نفسه. فيرد آخر: للقسوة وجوه عديدة لكنّ للشيطان وجهاً واحداً وهو “نتر”. فيهمس مَن الى يساري: إن شهدت يوماً ديكاً يبيض يمكنك أن تصف “نتر” بالإله. ويسخر من على يميني: الأرض التي تلمسها أقدام “نتر” لا تنبت الزرع. ويتسلل إلى أذني صوت من خلفي: من السهل أن يطير الحمار لكن من الصعب أن يتحول “نتر” إلى إنسان. فيصل الصوت لمَن أمامي فيطالبهم بالتوقف عن الهمس بصوت يملأه الخوف يقول: كفاكم فهذا الملعون إن ذكر اسمه فاعلموا أن الموت قادم. يتزايد تعجبي من الخوف الرهيب الذي يسيطر عليهم برغم ما يعانونه من جوع ومرض، يتبادلون همسات الوجع فيما بينهم لكنهم لا يفعلون شيئاً. لا بد أن أعثر على “ماو”، لا بد أن يأتي ويتقدم الصف ويرفع الظلم عنهم، لكن الآن عليّ أن أمهد له الطريق كما قالت المرأة الأربعينية, نعم، لا بد أن أزرع فيهم الأمل وأن تستمر ألسنتهم في إخراج أوجاعهم وسخطهم عليه, لا بد أن تتطهر قلوبهم من الخوف, لا بد أن تصل أصواتهم لأبواب القصر, لا بد من صانع شراب الحنظل أن يتذوقه, لكن قبل كل شيء لا بد أن تتوقف أيديهم المرتعشة وقلوبهم عن حفر قبور لأحلامهم.
لقد عانت العاصمة ونخر جسدها السوس بعد أن ضربتها موجات جفاف تسببت في إحداث مجاعات خاصة في أطراف العاصمة, وزاد من الطين بلة أن الجفاف اجتمع مع الأوضاع السياسية والأمنية ليزداد الوضع سوءاً، ولم يكن هذا وليد الصدفة فلقد تعمدت الآلهة أعداء الإله “بابا” في الماضي استغلال الجفاف لتدمير العاصمة حتى لا تقوم له قيامة من جديد, فكان لهم برنامج مرسوم خطط له بعناية لجعل العاصمة فاشلة. عاشت العاصمة سنوات صعاباً ﺑﻤﺎ ﺗﺮﺗﺠﻒ ﻟﻪ ﺍﻷﻓﺌﺪﺓ ﻭﻳﺸﻴﺐ ﻟﻪ ﺍﻟﻮﻟﺪﺍﻥ ﻭﻻ ﻳﻘﺪﺭ ﻋلى ﺗﺤﻤﻠﻪ ﺧﻴﺎﻝ ﺃﻣﻬﺮ الآلهة شراً, ﻭﻛﺜﺮﺓ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ أدت إلى ﺍﺷﺘﺪﺍﺩ ﺍﻟﺠﻮﻉ ﺣﺘﻲ ﺃﻛﻞ الرعية ﺍﻟﺠﻴﻒ, ﻭﺃﻓﻨﻴﺖ ﺍﻟﺪﻭﺍﺏ, ﻭﺗﺒﻌﻪ ﺍﻟﻮﺑﺎﺀ، ﻭأُﺧﻤدﺕ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﻓﻲ ﻧﻔﻮﺱ الرعية قبل أن تبدأ, حاول بعض الأغنياء تقديم المساعدات فنذروا أنفسهم للخير ومساعدة المحتاجين وتحملوا المشقة والمتاعب لإغاثة أطفال العاصمة من خلال حملة إنسانية واسعة للتصدي للجفاف وأرسلوا العربات محملة بعشرات الأطنان من المؤن والأدوية, ولم يكن عملهم هذا بالأمر السهل حيث كان عدد كبير منهم يرفض تقديم المساعدات بل أنفقوا بسخاء وإسراف على المحرمات والمباحات, ووصل أمرهم للإله “نتر”، فمارس الضغط عليهم وأخذ كل ما استطاع جمعه وأوهمهم أن رجاله هم من يقومون بتوزيع تلك المساعدات, فجعلهم يتراجعون ويتحول سخاؤهم إلى بخل حتى أن بقايا طعامهم كانوا يرمونها في القمامة فضلا عن أن يأخذها جنود الإله “نتر” لأنفسهم في حين أن أطفال العاصمة يموتون من الجوع وصرخات الأمهات وهن يدفنّ أطفالهن أثناء رحلة البحث عن الطعام تملأ سماء العاصمة. تزايدت ضغوط الإله “نتر” على الأغنياء، فاستسلم البعض منهم حتى نهب “نتر” كل أموالهم وتحولوا في ليلة وضحاها إلى فقراء، وأُخذت بيوتهم فاحتضنهم الرعية في الملاجئ. فتحول أمرهم لموعظة لبقية الأغنياء فهرب الكثير منهم إلى العواصم المجاورة ومن بقي أعدم أو انتحر، واستمر “نتر” في تجبره مندون أن يخشى لهم رداً فيوقد في روحهم ما كان.
أكملت السير وسط صيحات الرعية والطرق على الأواني حتى وصلت للساحة الكبيرة التي يقف على قمتها ذلك المبنى الكبير الذي يزين برسم لوجه الكائن المنقرض الذي يسمى “قط”, وبالقرب من ذلك المبنى اصطفت الخوازيق الصلبة المخصصة للإعدام وأشعلت بأسفلها النيران بعد أن حملت بأجسام الحمير والبغال استعداداً لتقديمها للرعية, خيم الصمت على الساحة الكبيرة وامتلأت العيون بالحزن واليأس بعدما خرج عليهم الدون “خرخور” وأعلن عن شرط الإله “نتر” لحصول الرعية على اللحم بأن يتصارع شابان من الملاجئ مع كلبين من كلاب الحراسة ومن ينتصر له اللحم ومن يهزم له العظام. صفق الجند وارتفعت أصواتهم بالتهليل المؤيدة لنصر كلابهم بينما نكس الرعية رؤوسهم وهمهموا فيما بينهم على من يتقدم لمصارعة الكلاب. تراجع الكل للخلف فلقد عُرفت تلك الكلاب بشراستها ولا سيما تجاه البشر، وقوة الفك لديها، وهي مدربة بشكل جيد لخوض هذا النوع من المصارعات. ويستطيع الكلب الواحد منها الانقضاض على ثلاثة أو خمسة أشخاص والفتك بهم كما لو كانوا قطعة من اللحم. فلقد نالت تلك الكلاب الكثير من التدريب الجيد جعل عندها قدراً كبيراً من اللياقة وقوة القفز والسرعة في الانقضاض على خصمها والنيل منه بسهولة. تقدم كلبان ضخمان إلى الساحة وهما يكشران عن أنيابهما ويزمجران ويتفحصان من يصارعهما, فأصاب منظرهما ونباحهما قلوب الرعية فتراجعوا أكثر, ارتفعت صيحات الجند ونباح الكلاب ولم يتقدم أحد فاندفع أحد الكلاب نحو صفوف الرعية وغرز أنيابه في فخذ أحدهم، وكان شاباً لكنه مثله مثل غيره ضعيف البنية معدوم القوة. جره الكلب إلى ساحة المصارعة فصاح الدون “خرخور” بإعلان تقدم المصارع الأول, وأصيب الشاب بهلع ومضى يجري أمام الكلبين وهما يجريان خلفه ويوقعان به فينهض ويجري مرة أخرى. كانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها مصارعة كلاب. في البدء كنت خائفًا من منظر القتال لكني حاولت أن أبدو مطمئناً عندما رأيت الكل يتراجع وأصبحت أنا في المقدمة وكأنني أنا الذي تقدمت للمصارعة.
أمسك الكلبان مرة أخرى بذلك الشاب فاقتربت محاولاً فك أنياب الكلبين عن جسد الشاب وتظاهرت أنني لست خائفًاً. دخلت إلى عمق المعركة فانقض أحدهما عليّ, كنت في البداية لا أصدق أن أنياب الكلب في فخذي، وشعرت بعدها بأنه يحاول أكل لحمي وأنه ينزع اللحم من الفخذ فكان ذلك مؤلماً جداً لا أستطيع أن أصفه, ولم تطل المواجهة إذ سرعان ما احتدم وطيس القتال حيث انفجرت الدماء من جسد الشاب الهزيل وخرجت روحه. لم أجد نفسي إلا وأنا أخُذ دوره في الجري أمام الكلبين حتى تمكنا مني وأوقعاني على الأرض جسداً ممدداً مستسلماً بين فكيهما, لكن القدر وصيحات الرعية أنقذوني منهما بصعوبة عبر عصا صغيرة وجدتها بجواري على الأرض فوضعتها في فم أحد الكلبين من أجل الضغط عليه وإجباره على ترك جسدي. ونجحت بالفعل وتركني الكلب الأول وتراجع خطوات فغرزت العصا في عين الكلب الثاني فسقط على الأرض, فأسرعت بالجري نحو صفوف الرعية، فذاب جسدي وسط الزحام، فامتلك الغضب قلب الدون “خرخور” والجند، فأطلقوا الكلاب على الرعية تنفيذًا لقوانين الإله “نتر” التي تحرم قتل الكلاب.



