ثقافية

دمعة في الغربة

3284

غسان عباس محسن

في اول الامر لم يستطع احد من اصدقائه ان يعرف السبب الحقيقي الذي من اجله اقدم رائد على نشر صور توضح بعضاً من ملامح حياته الجديدة في ذلك البلد الغربي البعيد، فذهبت معظم الآراء الى أنه اراد من وراء ذلك ان يوضح وجهة نظره المتمثلة في ان الرحلة الطويلة التي قطعها والجهد الكبير الذي بذله مع دفع مبالغ كبيرة من المال حتى يصل الى ذلك المكان لم تذهب اي منها سدى في نهاية المطاف، فيما اعتقد اخرون بانه حاول من وراء ذلك ان يطمئن أحبته وذويه على حاله وأوضاعه. وما ان شاهدوا تلك الصور حتى ظن معظم اصدقائه انه اصبح من اكثر الناس سعادة على وجه الارض فصاروا يحسدونه على ما وصل اليه من مكانة مهمة ومنزلة رفيعة بعد ان هاجر الى ذلك البلد البعيد، معتقدين انه قد وصل الى الجنة الموعودة، ونال ما لا يناله الا ذو حظ عظيم. وقد وثقت بعض الصور التي قام رائد بنشرها ارتياده لأماكن يحلم الكثير من شباب بلده بالذهاب اليها، كالمناطق التي تتميز بجمال الطبيعة فيها او الشواطئ الجميلة وحتى اماكن الترفيه وغيرها، وباستثناء صديقه احمد فإن احدا منهم لم يستطع ان يشعر بالمرارة الشديدة والحسرة العظيمة التي كان يعاني منها، وفيما كان ينظر الى الصور شعر احمد بما كان يعتمل في صدر صديقه المغترب وود لو انه كان قريبا منه في تلك اللحظات ليعاتبه على ذهابه الى هناك ولكنه كان يعلم بأنه سيرد عليه كالعادة ويقول له: ماذا افعل وقد اصبح بلدي جحيم لا يطاق وضاقت بي اسباب العيش فيه!
العمر هجرة كبيرة نبدأ فيها من المجهول لننتهي بنا اخيراً الى المجهول من غير ان ندرك معناها ومغزاها، والوطن قد يكون بالنسبة لبعض الناس ممن هم على شاكلة رائد نقط سوداء كبيرة في هذه الهجرة، بذل في سبيله الكثير ولم يجنِ شيئا منه خلا وأد الاحلام والحسرات. وفي حقيقة الامر فإن رائد كان يحاول ان يظهر السعادة ويتصنع السرور على ملامح وجهه من خلال الصور التي صار ينشرها لكن ذلك لم يكن بالنسبة لمن يعرفه بشكل جيد الا دليل على يأسه وحزنه، هكذا فهم صديقه احمد الامر حينما كان يراسله ويشعر بالمرارة التي في داخله، وعلى الرغم من كونه شابا في مثل عمر رائد ورغم حرمانه من معظم حقوقه في بلده الا ان احمد كان يرفض الهجرة رفضا باتا ويرثى لحال من هاجروا من أقرانه الشباب، فهو يعرف جيدا بحكم انه عاشر بعض المغتربين في فترات مختلفة من حياته ما الأثمان الباهظة التي يتوجب على الانسان دفعها في الغربة.
وخلال احدى المراسلات التي اعقبت نشرته تلك الصور وفيما كان رائد يكابر ويحاول ان يحافظ على صورة الشاب المسرور بوصوله الى جنة الغرب لكن احمد استمر في إلحاحه عليه، وفي لحظة ما تغلب شوقه لوطنه ولأهله على مكابرته فانفجر باكيا وشاكيا لصديقه عما يعتمل في صدره وحكى له عن المرارة التي عانى وما زال يعاني منها، وبعيدا عن احمد بآلاف الكيلومترات انطلقت دمعة من عين رائد لكن صديقه استطاع يشعر بها رغم كل تلك المسافات البعيدة، ولعلها كانت اكبر مواساة لاحمد الذي سلم اخيرا بصحة قراره بعدم الهجرة رغم الحرمان الذي يعاني منه في بلده فذلك كان أفضل عنده من مرارة الغربة وآلامها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى