اخر الأخبارثقافية

رواية “زمن الفئران” صرخة في وجه الظلم الذي تقترفه الأنظمة الشمولية

   ياسين شامل..
 لا تأتي الرواية العراقية من فراغ حالها حال الروايات الأخرى، من هنا يكون الروائي العراقي شاهد الصدق وضمير المجتمع. وقد أعطت الفترة ما بعد 2003 مساحة مناسبة من الحرية في الكتابة والنشر، لتأتي روايات لها خصوصيتها نابعة من وعي الكاتب، ونظرته الفاحصة لواقع البلد الراهن، فاتخذت منحى جديداً، “منحى مهم جداً في البنية الروائية يتلمّسه القارئ لروايات هذه الفترة، هذا المنحى يشير إلى غياب الالتزام بأي فكر أيديولوجي، أو ميول لفكرة ضيقة مثل القومية أو المذهبية، وغيرها من الزوايا التي تضع النص داخل إطار ضيق.  
في الغالب تتشكل الرواية في بنيتها السردية، مما يدور في نفس الكاتب معبرة عن احساسه وما يحيط به مرتكزة على الشعور واللاشعور، كما نجده في رواية “زمن الفئران” التي يمكن أن نعدها رواية نفسية إذا جاز التصنيف “وهذا يعني ببساطة أن الانتاج الأدبي هو أولاً وقبل كل شيء إنتاج نفس بشرية لها نوازعها ورغباتها ووعيها ولا وعيها وطرائقها في التفكير والمعالجة”3.
 رواية “زمن الفئران”، عمل مدروس جيداً من قبل الكاتب، الذي بذل جهداً حثيتاً من أجل ترسيخ الحالة النفسية لشخصية “خالد”. تدور أحداثها للفترة ما بين ( 1999 الى 2003 وما جرى بعدها من أحداث.. ) وتتمركز أكثر الحوارات داخلياً والتي هي كلام النفس للنفس، لتعطي دلالاتها، وتؤثث الفكرة التي يشتغل عليها، وهذه الحوارات تنبعث من صميم النفس البشرية، وأحياناً تتخذ لها مسارات ضمن اللغة المشتركة بين السارد والآخرين أو بين الشخصيات الثانوية لتعطي بُعدها في ممكنات السرد المعروفة.
– “هل هي أوهام؟ لوثة من جنون؟ أشباح؟
– ممكن أن يكون نوعاً من الجّن تلبّسهُ وهو في السجن.
هذا ما تلقّفته أذناه من حوار دار بين أبيه ورجل بعمّة بيضاء؛”
    إن الحوار في هذه الرواية يأتي مكثفاً وليس عابراً، بل ليعزز الحدث، ويفتح مجالاً واسعاً، لبناء صور متخيلة تعزز الغاية التي يسعى لها الكاتب من خلال طرح السارد كي يجعل المتلقي الحساس يراها حقيقة، ويثر فيه التشوق إلى ما ستؤول اليه الأحداث. ونتأكد من الحالة المرضية لخالد عندما قال الطبيب لسناء: “زوجك يعاني من هلوسة مرئية وسمعية لقد تعرض لصدمة شديدة.”
  إن الشخصية الرئيسة “خالد” على الرغم من إدراكه بذلك الخلل النفسي الذي ينتابه، لكنه يجاهر؛ بأنه سويّ “بكامل قواه العقلية”، على ما أعتقد أن هذه ظاهرة علمية “طبية” حقيقية، لكنه يعترف ضمنياً من خلال ما يراه زملاء العمل وما تقوله زوجته “سناء”، لا بد أن ندرك أن هذا التغير في شخصية خالد، جاء بعد تعرضه للاعتقال، “ربما سبب له لوثة في الذهن.”
   إن السارد يتفنن في مجريات السرد، وفقاً لحالة الشخصية المثقفة الملتبسة والتي تمثل حالة مرضية، فيكون سرداً شيقاً، والسرد هنا يطغي على الوصف، ونجد الوصف المقتضب قد جاء به السارد ليخدم الهدف الرئيس بدراية وعناية تامتين، ليجعل القارئ يتفاعل مع السرد النابض في عمق الحدث بصورة جيدة ليجد أمامه عدة احتمالات لمجرياته، واحتمالاتها المتشعبة، ولمثل هذه الحالة يُراد كاتب واعٍ للتمكن من لعبة السرد لئلا تنفرط الأمور من يده في هذه المساحة النصية إلى حد ما ليست بالواسعة، لكن القارئ كأنما يقرأ رواية بضعف المساحة النصية أو أكثر، والتي جاءت تحسباً لواقع في عالم متسارع يخضع لتقنيات حديثة في التواصل الاجتماعي والعالم السيبراني المستحدث، لا كما في روايات نفسية أخرى على سبيل المثال التي تتخذ مساحات نصية كبيرة، مثل رواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي في زمن كتابتها. إن مثل هذه الرواية تركز على عذابات الإنسان الداخلية، ومثل رواية “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ، وهذا ما نجده كذلك في رواية “زمن الفئران”، فخالد معذب من الداخل، همومه كثيرة ما بين واقع مستحدث يعيش تفاصيله المأزومة، وشكوكه المستمرة، وما يجتره من صور مموهة من ذكريات لحياة ماضية مختلفة.
    الرواية النفسية تمتاز بقلة شخصياتها وبتحليل الشخصية من الداخل، وتتأمل في مجموعة العقد النفسية القابعة في عمق الشخصية. وتتحرك الشخصية وفق سياق هذه العقد في أحداث الرواية، وهذا ما نجده في رواية “زمن الفئران”. أي أن الكاتب يتقن اللعبة السردية في هذا النوع، ويدرك كيف تسير الأحداث بحبكة جيدة.
   وهذه الرواية هي رواية داخل رواية، لكن بالحقيقة هي رواية واحدة، يكتبها خالد بشخصيات ظل لشخصيات الرواية الأصل، وحسناً فعل الكاتب عندما كتبها بالخط المائل، على الرغم من اختلاف الوحدة المكانية لهما، الرواية الرئيسة تتخذ البصرة مكاناً لها والرواية الضمنية تتخذ بغداد، وهذا لا يتعارض مع المفهوم الذي نطرحه، “شعر خالد بألم وهو يتخيل شخصية حامد، فقد رأى نفسه  تتجسد فيه، بعض المرات يبكي ويردد: “نحن متشابهان يا صديقي ومثلنا الآلاف”.”
وكلما تقدم السرد ندرك مدى الأزمة النفسية أو العطب الذهني الذي يعاني منه خالد، وهذا متأتي نتيجة تعرضه للاعتقال، والاعتقال يحدث لأتفه الأسباب، في زمن هو زمن الرواية في ظل سلطة شمولية، تسحق الإنسان وتصادر حريته، وعقله، وأحلامه، إذا لم تتم تصفيته، وعندما يفرج عنه لسبب ما يكون مشوهاً من الداخل والخارج. ويبقى خالد يعاني ويراجع الأطباء لعله يحظى بتحسن حتى لو بسيط في صحته.
   إن هذه الرواية هي صرخة في وجه الظلم الذي تقترفه الأنظمة الشمولية، في أي مكان وفي أي زمان، وتحطم الروابط العائلية من قبل أزلامها بفسادهم ونزواتهم المشينة، بحق الناس البسطاء وبالأخص بحق المثقفين الذين يختلفون بتفكيرهم مع توجهات السلطة، فهذه الرواية “النفسية” تتخذ ثيمتها الهم الانساني باعتبار الإنسان أغلى ما في الوجود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى