اخر الأخبار

الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية

الجزء العاشر

السيطرة على النخبة وإحتلال طوبغرافيا المجال العام وظيفة الحرب الناعمة
عملية السيطرة على النخبة والنفوذ لأجل النفوذ إلى العملية السياسية له معادلاته وقواعد، إذ إن النخبة في أي مجتمع لا تزيد عن 1% وفق أقصى التقديرات، وضمن هذه النسبة الضئيلة أيضاً يوجد نخبة النخبة نسبة 1% من أصل 1%)، فيما تلتحق الغالبية الساحقة من مجموع الرأي العام مع اتجاهات نخبة النخبة، ويكفي التلاعب الناجح بجزء من نخبة النخبة لدفع المجموع نحو اتجاهات وسيناريوهات محددة، تمكن الإدارة الأميركية من تحريك اللعبة السياسية في أي بلد، في ظل مشاريع سياسية جاهزة وخرائط فعالة للتغيير السياسي، ما يؤدي الى سقوط النخبة بحالة من المفاجأة والذهول، وهو ما حدث مع ذهول يانكوفيتش الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا في تحرك عام 2014، وتفكك حاشيته السياسية، وهربه من البلاد، وسقوط نظامه بأيدي الغرب، كما حدث مع تجربة الثورة البرتقالية عام 2004-. وهو ما حدث سابقاً في حالة الإتحاد السوفياتي عام 1989 حيث سببت غفلة النخبة السوفياتية عن المخطط الأميركي والغربي، الذي تمكن من السيطرة على 1% فقط من النخبة السوفياتية، مترافقاً مع الإسناد الإعلامي والألاعيب والمناورات السياسية وعناصر الخدعة والمفاجأة والذهول من سقوط أكبر كتلة دولية كانت تمتلك أهم جهاز استخبارات في القرن العشرين، وفق تعبير الإمام الخامنئي دام ظله . وحدث ما يشابهه في ايران عام 2009 عندما تمكنت اميركا وحلفاؤها من التلاعب ببعض النخبة الإيرانية – أي أقل من 1% من النخبة – واستطاعت دفع النظام الايراني إلى منزلقات خطيرة، لولا يقظة وحكمة قائد الثورة الإسلامية الامام الخامنئي أعزه الله. ولعل أحداث أوكرانيا عام 2014 وسقوط النظام في غضون بضعة أشهر إلا دليل واضح على نمط عمليات الحرب الناعمة، فالثورة البرتقالية الأوكرانية، وما جرى في ميادين مدينة كييف، تم التمهيد له قبل عشر سنوات وفق ما نشرته صحيفة “ترود” الروسية بوثيقة تحت عنوان “ظل برجينسكي” ومفاده ان الولايات المتحدة وألمانيا ودولاً غربية أخرى زرعت في أوكرانيا 399 منظمة دولية و421 منظمة خيرية و179 منظمة غير حكومية لدعم الثورة البرتقالية في أوكرانيا حليفة الغرب، وبينت الوثيقة ان ميزانيات هذه المنظمات تتراوح بين 300 ألف و500 ألف دولار في الأسبوع الواحد. وكان الهدف من وراء ذلك العمل على إضعاف المجال الاقتصادي الحيوي بين روسيا وأوكرانيا، لأن الوحدة الاقتصادية بين هاتين الدولتين تهدد بالضرروة المشروع الرأسمالي الغربي بخطر يشبه خطر مشروع الإتحاد السوفياتي سابقاً. وعملت هذه المنظمات غير الحكومية كذلك على ترويج مجموعة من المفاهيم والمصطلحات “المشاركة” و”التمكين” و”التنمية السياسية” وكذلك “المجتمع المدني” وسيطرة من خلالها على المجال الفكري والثقافي والسياسي والميداني أي السيطرة على طوبغرافيا المجال العام وقيادة النخبة في أوكرانيا. ومن هنا، عندما تحين فرصة الحرب الناعمة المناسبة وتتشكل البيئة السياسية الملائمة ويبدأ التحول التدريجي للنخب ولاتجاهات الرأي العام تبدأ عشرات الجهات المجهزة بالتدخل لإسناد العملية ويبدأ الفرز بين إصلاحي ومحافظ مع ولاية الفقيه وضد ولاية الفقيه في إيران و مع المقاومة وضد المقاومة ومع ثقافة الحياة وثقافة الموت في لبنان و مع الديكتاتور وضد الديكتاتور في سوريا و مع ديكتاتورية ورجعية روسيا أو مع انفتاح الغرب في أوكرانيا و “سيطرة الطبقات المسحوقة أو مع التحالف مع أميركا في فنزويلا” وتبدأ أفلام الفيديو التي يرسلها الناشطون الى الفضائيات بالظهور لتأجيج وتسخين الأجواء، وتبدأ الدول والمنظمات الدولية بإدانة القمع والاستبداد…وحينها يبدو المشهد منسقاً وكأننا أمام غرفة أركان تدير عمليات على الجبهة، وليس أمام تحركات وديناميات عفوية. ومن هنا، إذا كان الطرف المستهدف نظام دولة أو حزباً أو منظمة في حالة غفلة وإسترخاء وعدم إدراك ورصد كلي للمشهد والصورة، يتولد جراء موجات القوة الناعمة عناصر المفاجأة والذهول والارتباك، ويبدأ الطرف المستهدف بإصدار ردات فعل عشوائية غير مدروسة، كأن يتأخر في تحليل المشهد، أو يأمر باطلاق النار على المتظاهرين المضللين حيث لا يجب ولا يجوز، أو أن يأمر باعتقال قائد من قادة النخبة المضللة حيث لم تحن اللحظة الملائمة بعد، فيبدأ الخلل بالتسلل الى الجبهة، وتزداد حظوظ وفرص نجاح الحرب الناعمة. حينها يتسلل إلى الساحة العملاء المدربون بالاستناد إلى التصرفات غير المدروسة التي يؤديها بعض الغافلين في النظام أو الحزب المستهدف، خصوصاً ان الجهات المعادية تعرف طريقة تصرف وسلوك الجهات المستهدفة، وانماط ردود افعالها في حالات مماثلة، نتيجة دراسات وأبحاث سابقة، وفي ضوئها يجري احتلال المشهد السياسي وتنفيذ المخططات وإجراء التحولات المرسومة، وهو ما اعترف به منسق عمليات المرحلة الإنتقالية ومسؤول ملف المعارضة السورية في الخارجية الأميركية فريدريد هوف حول معرفته بـ”قاموس انماط سلوك النظام السوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى