ثقافية

المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي

3231

فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.

الفصل السادس

امتلأت سماء العاصمة بعاصفة من الدخان الأسود حجبت عن عيني الرؤية، حتى أنني لم أستطع أن أعرف هل ما زلت داخل ديوان القرابين أم خارجه؟, وصاحبت تلك العاصفة عاصفة رعدية ضربت أجساد الجند بشحنات كهربائية أودت بحياة الكثير منهم، ورسمت في السماء ومضة من الضوء متبوعة بصوت حاد ومزلزل، فانفجر من عين السماء طوفان من الأمطار والبرد والثلوج, فتمردت الرياح وانطلقت تواجه الأمطار محملة بكميات كبيرة من الأتربة شكلت سحبا سوداء أقرب للأرض من السماء, سببت لي ضعفاً في الرؤية وأزمة في التنفس, وحاصرت الجند والكلاب في الشوارع والأزقة، واخترقت الأبواب والملاجئ حتى وصلت إلى ديوان القرابين. وعلى الرغم من ذلك أسمع صيحات الرعية “هق يا مق يعيش الإله نتر” وطرقهم على الأواني والهتاف بروح الإله “نتر” في تحدٍ غريب للعاصفة, إنه يوم غريب لم تشهده العاصمة منذ سنوات بعيدة, إنني أتذكر ذلك اليوم عندما نفد الطعام من الأسواق وخرج الرعية من الملاجئ وهم يطرقون على الأواني في استقبال الإله “نتر” وهو في طريقه للمعبد. فلقد كانت العادة قبل أن يعتلي الإله “نتر” عرش العاصمة حيث كان الإله “بابا” يخرج مرتين كل عام من القصر للتوجه لإقامة القداس على روحه العظيمة. إلا أن هذه العادة قد اندثرت دفعة واحدة بعد ما شهده الإله “نتر” من الرعية والتى هتفت باسم الإله “بابا” وترحمت على عهده.
وكان الرعية في عهد الإله “بابا” يخرجون منذ الصباح الباكر ويحتلون ساحة الميادين بهدف التمكن من الاستقرار في مكان مناسب لمشاهدة موكب الإله “بابا” ورايته والهتاف باسمه وهو متوجه إلى المعبد ثم عودته منه. كانوا يتابعون حركات فرق الخدم والعبيد وهي تقوم بالمهام الموكولة لها, كان موكب الإله “بابا” يخرج من باب القصر محاطًا بمختلف فرق الخدم والعبيد يتوسطهم حامل المظلة ذات الحجم الكبير والألوان المتعددة؛ مئات الخدم والعبيد وفرسان الحرس بلباسهم الأبيض، ويتقدم الموكب حاملي الرماح ويسبقهم عدد كبير من الكهنة يوزعون الطعام والملابس على الرعية, وبعد عودة الإله “بابا” للقصر كانت تقام المآدب، وكان الكهنة يختارون المتميزين من الزراع والجند لمصافحة الإله والجلوس إلى مائدته وبعد ذلك يأمر الإله بإخراج الطعام والملابس لمن لم يحصل عليهم أثناء خروج الموكب. لكن اليوم أشعر باختلاف فهم يهتفون لروح الإله “نتر”, ويبدو أن الإله “نتر” خرج للمعبد وأنهم حصلوا على شيء ثمين من تلك الأشياء الغريبة التي لم أشهدها من قبل والمُخزنة بكميات كبيرة داخل ديوان القرابين ولكن كيف يخرج الإله “نتر” في يوم عاصف مثل هذا؟
انتبهت لنفسي بأنني ما زلت داخل الديوان عندما صاحت المرأة الأربعينية بصوت قوي: اغلقوا الأبواب والنوافذ لا يجب أن تدخل تلك الرياح العفنة إلى ديوان القرابين هيا اسرعوا. في لحظات سريعة خرج عدد كبير من الجند وأسرعوا نحو النوافذ والأبواب ولكني لا أدري من أين خرج صوت تلك المرأة الأربعينية وخلف أي جدار تختفي؟
لم أتخيل أن تتطور القصة بهذا الشكل وأن أشهد بعيني ذلك العالم الغريب داخل ديوان القرابين وسط هذا الكم الكبير من الجند والنساء المدربين على كل شيء يخص قصر الإله “نتر”, فكان منهم المكلف بإعداد الشراب ومنهم من يناول الإله وزوجته الماء للشرب والاغتسال ومنهم من هو مكلف بالقيام على أمور السياج الفاصل بين قصر الإله “نتر” وبين الديوان. وكان في الديوان الكثير من الغرف المخصصة للجند, كان منهم من يسمى جند الموسيقا، ومهمتهم الترفيه على الإله والمشاركة في القداس الخاص به والذي نقله للقصر بعد أن رفض الذهاب للمعبد, ومنهم من يسمي جند العقاب ومهمتهم تطبيق العقوبات الصادرة في حق المخطئين من الجند والموظفين داخل الديوان, ومنهم نساء الزينة ومهمتهن تزيين زوجة الإله “نتر” والاهتمام بترتيب الملابس والغرف, ومنهن من يقتصر دورهن على إطلاق الزغاريد عند دخول الإله “نتر” الحمام والخروج منه أو عند استيقاظ زوجته. والقاعدة السائدة بين جند الديوان هي التوقير والتبجيل، ومن فرق جند الديوان الخاصة جداً فرقة حراس تمثال الإله “نتر” الذي يتوسط غرفة كبيرة تقع بين القصر والحديقة وتلك الفرقة من نوع خاص يشكل أفرادها جماعة منغلقة على نفسها ولا تتحدث مع اي شخص من الجند في ديوان القرابين. أما أصحاب التميز داخل الدايون فهم مجموعة الجند الطباخين ومن يعاونهم في المهام المرتبطة بمائدة الإله ومن المهام الخاصة بهم مهمة تذوق الطعام قبل أن تتذوقه المرأة الأربعينية التي تقوم بدورها بتقديمه للإله, ويُعرف داخل الديوان مدى أهمية هؤلاء إذ قِيل أن هناك بعض الذواقين أصابهم التسمم. وبجانب الطباخين ومعاونيهم هناك فرقة من الجند مهمتها تموين المطبخ وتنظيم أوانيه, يضم الديوان مرافق إدارية بها الكثير من الموظفين ومهمتهم رصد الخزانة ومتابعة القادة من الجند وجمع المعلومات عن الجند والرعية, وفرقة أخرى مهمتها نشر الشائعات وفرقة مهمتها رعاية كلاب الحراسة, ينتظم الجند في الديوان في ترتيب خاص ضمن فرق، وعلى رأس كل فرقة منها قائم على أمورها لكن الجميع يخضع في النهاية للمرأة الأربعينية.
حاول “نتر” أن ينال من شرف ابنة الإله “بابا” لكنه فشل, كان منذ اليوم الأول له في القصر وهو يشعر بانجذاب غريب إليها ولم تمضْ عليه أيام حتى بدأت رياح الحب تتسلل إلى قلبه الصلب الذي لا يعرف الرحمة والحب. كان ينظر إلى حبه لها على أنه هزيمة تلقاها في أول معركة له داخل قصر الإله وحاول مرات أن يتغلب على هذا الحب حتى لا يمنعه من تنفيذ مخططه أو يكون سبباً في إفشاله لكنه لم يستطع. وكان لا يشعر بالارتياح والوجود في هذا العالم إلا عندما يراها وهي تتقدم نحوه لتطمئن على ابنها “ماو” وكانت هي تنبهر بأفكاره واهتمامه بتعليم “ماو” أدق التفاصيل وعلوم الحياة, وكان هو يجد رغبة ملحة في القرب منها وارضائها وجذب انتباهها ولكن محاولاته كانت تذهب سدى فهناك غشاوة على عينيها وهي حب الكاهن الذي ملأ قلبها وعينيها فجعلها لا تشعر بوجوده. لكن قلبه الصلب انهار وانصهر أمام لهفته وشوقه وأمله في اللقاء بها, وفي أحيان كثيرة كان يجد لديه رغبة في البكاء على صدرها والشكوى لها عن آلامه وأحزانه وأن تمسح له دموعه, كان يفتعل الصدفة للقائها والتحدث معها ولا يكتفي باللحظات القليلة التي كانت تأتي فيها لتطمئن على ابنها “ماو” وبعد أن استولى على القصر والعاصمة حاول أن ينال منها ولكنه فشل فتشاور مع كاهنه الأول في أمرها وطلب منه أن يصنع لها سحراً حتى تسلم قلبها له. لكن كاهنه الأول أكد له أن استمرار طهارتها استمرار للدم المقدس وإن نجست نجس الدم المقدس فهي بنت الإله وأم إله فجعله بين خيار صعب “جسدها أو الخلود”، فاختار “نتر” الخلود واستبعدها عن القصر بعد اكتمال ديوان القرابين ووضع حولها وخلفها العشرات من الجند بعد أن أمر بإخصائهم خشية أن يتمرد أحدهم ويقترب منها, وجعل كل الموظفين في الديوان من النساء وامتنع عن الاقتراب من النساء حتى تمكن أحد كهنته بإقناعه بالزواج حتى ينجب وريثاً للعرش فأعلن رغبته في الزواج فعرضت عليه آلهة العواصم المجاورة والبعيدة بناتها عليه فاختار ابنة أقواهم نفوذًا وجيشاً وهوالإله “دور” والتي لم يرَها ولكنها رفضت وفضلت قتل نفسها عن الزواج وكانت على قدر كبير من الجمال والذكاء. وفي تلك المدة قبض رجال الإله “دور” على فتاة غجرية قاتلة متسللة من العواصم الفقيرة المجاورة لعاصمته, واشتهر الإله “دور” بأنه يحكم بين الناس بالعدل ويحكم بنفسه في أغلب شؤون العاصمة وأثناء التحقيق مع تلك الفتاة السارقة القاتلة وجدها أكثر جمالا وأرشق قواماً من ابنته وتملك من الذكاء والدهاء ما يجعله يعقد معها صفقة. وبالفعل اتفق معها أن تلعب دور ابنته وتتزوج من الإله “نتر” وأن تحفظ سره ويحفظ سرها وينجّي رقبتها من المقصلة, وافقت بسهولة على عرض الإله “دور” وبدأت ابنة الإله “دور” في تدريبها على حياة القصور وآداب أبناء الآلهة. وتقدمت تلك الغجرية في التدريبات وأذهلت الإله “دور” بعدما رآها وتحدث إليها فأرسل إلى الإله “نتر” بموافقته وانتظاره تحديد موعد للزفاف. دخلت الغجرية قصر الإله “نتر” على عرش من الذهب فأبهرته ووجد فيها ما يشبه بنت الإله “بابا” وبدأت تلك الغجرية في التعرف على القصر وكل كهنته وكل من يتعاون مع الإله “نتر”، فابتسمت لحظها ولعنت ماضيها وقسوة الجوع التي أجبرتها على السرقة وقتل وذبح من يكتشف أمرها أو يعترض طريقها حتى أنه ذات مرة اكتشف أمرها طفل كانت تسرق طعامه فذبحته حتى تكتم صراخه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى