إستقامة الباطن في الدنيا شرط للإستقامة في الآخرة
في عالم ما بعد الموت – سواء في البرزخ أم القيامة – إذا كانت خلقة الإنسان في الباطن والسريرة إنسانية، كانت الصورة الملكوتية له صورة إنسانية أيضاً. وأما إذا لم تكن ملكاته ملكات إنسانية، فصورته في عالم ما بعد الموت تكون غير إنسانية أيضاً، وهي تابعة لتلك السريرة والملكة. فمثلاً: إذا غلبت على باطنه ملكة الشهوة والبهيمية، وأصبح حكم مملكة الباطن حكم البهيمية، كانت صورة الإنسان الملكوتية على صورة إحدى البهائم التي تتلاءم وذلك الخلق. وإذا غلبت على باطنه وسريرته ملكة الغضب والسبعية، وكان حكم مملكة الباطن والسريرة حكماً سبعياً، كانت صورته الغيبية الملكوتية صورة أحد السباع والبهائم أيضاً. وإذا أصبح الوهم والشيطنة هما الملكة، وأصبح للباطن والسريرة ملكات شيطانية، كالخداع والتزوير والنميمة والغيبة، صارت صورته الغيبية الملكوتية على صورة أحد الشياطين بما يتناسب وتلك الصورة. ومن الممكن أحياناً أن تتركّب الصور الملكوتية من ملكتين أو عدّة ملكات، وفي هذه الحالة لا تكون على صورة أيٍّ من الحيوانات، بل تتشكّل له صورة غريبة، هذه الصورة بهيئتها المرعبة المدهشة والسيّئة المخيفة لن يكون لها مثيل في هذا العالَم. يُنقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ بعض الناس يُحشرون يوم القيامة على صورة تكون أسوأ من صور القردة ، بل وقد تكون لشخص واحد عدّة صور في ذلك العالم، لأنّ ذلك العالَم ليس كهذا العالَم، حيث لا يُمكن لأيّ شيء أن يتقبّل أكثر من صورة واحدة له، وهذا الأمر يُطابق البرهان وثابت في محلّه أيضاً. واعلم أنّ المعيار لهذه الصور المختلفة، هو وقت خروج الروح من هذا الجسد، وظهور مملكة البرزخ، واستيلاء سلطان الآخرة؛ الذي أوّله في البرزخ عند خروج الروح من الجسد، فبأيّة ملكة يخرج بها من الدنيا، تتشكّل على ضوئها صورته الأخروية، وتراه العين الملكوتية في البرزخ، وهو نفسه أيضاً عندما يفتح عينيه في برزخه، ينظر إلى نفسه بالصورة التي هو عليها، هذا إذا كان لديه بصر. وليس من المحتّم أن تكون صورة الإنسان في ذلك العالم على نفس تلك الصورة التي كان عليها في هذه الدنيا. يقول الله سبحانه وتعالى على لسان بعض: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ . فيأتيه الجواب من الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ فيا أيّها المسكين قد كانت لديك عين ملكية ظاهرة وهي البصر، ولكنّك في باطنك وملكوتك كُنتَ أعمى، وقد أدركتَ الآن هذا الأمر، وإلاّ فإنّك كُنتَ أعمى منذ البداية، حيث لم تكن لديك عين البصيرة الباطنية التي ترى بها آيات الله. أيّها المسكين! أنت ذو قامة متناسقة وصورة جميلة في التركيب الملكيّ (الظاهريّ). ولكن معيار الملكوت والباطن غير هذا. عليك أن تُحرز الاستقامة الباطنية كي تكون مستقيم القامة في يوم القيامة.



