ثقافية

إفتراض ما كان

3006

في احد اطراف المدينة التي أصابتها الحرب بالجنون كنت أجلس هناك قريبا من نافذة شقتي وحيدا، أرقب الحركة الكئيبة للسيارات، وأتطلع باهتمام الى بضعة طيور تعبث في السماء ومن خلفها ارتسمت بقايا أعمدة دخان ارتفعت من احدى الاحياء البعيدة عقب انفجار جديد. من تلك النافذة العتيقة التي كنت ازيح ستارتها لاختلس النظر نحو العالم الذي أصابته الحرب بجنون مريب، كنت أطلع على كل شيء يقع ضمن مدى رؤيتي في معظم ساعات النهار الذي كنت أقضيه وحيداً بعد انصراف أفراد أسرتي لمشاغلهم وسط الدوامة الكبيرة التي نسميها المدينة، وكنت أتعمد أن لا أفتح الستارة كلها وكأني بذلك أعبر عن خوفي من هذه الفوضى التي أصابتني بعض شظاياها، فاضطرتني للجلوس هناك مجبرا على ممارسة هذه الهواية التي علمتني الكثير برغم أني لم أقم بها إلا منذ أيام قليلة.
بدا كل شيء بالنسبة إلي في ذلك الشارع مشوبا بالخوف من السيارات التي تقطعه او المارة الذين كانوا يسيرون من غير ان يستطيع أحدهم توقع ما يمكن ان يحدث في اللحظة التالية، وفي غمرة هذا البؤس لمحتها وهي تقف هناك على ذلك الرصيف نفسه الذي أصبت عليه منذ أيام مضت، كانت شابة جميلة لدرجة أني اعتقدت بانها الشيء الوحيد الذي يستحق الاهتمام به في كل ذلك الشارع. وخلال اللحظات التي وقفت فيها هناك حاولت ان أتخيل طبيعة حياتها وأفترض ما كان عليه شكل حياته. لا بد انها طالبة جامعية، يمكن للمرء ان يدرك ذلك من ثيابها، وهي في سن يجعلها فريسة لعواطفها تتحكم فيها برغم انها قد لا تظهر ذلك. كانت عيناها مفعمتين بالأمل ولعلها كانت تمني النفس بزوج وبيت وأطفال، وربما تكون كثيرة الشجار مع والدتها التي لا تفهمها كونها تحاول ان تعكس عقدها تجاه الرجال والحياة عليها وكونها من جيل آخر، ولأن الشابة لا تدرك مدى خوف الام على ابنتها.
ولم أستمر طويلا في تصوراتي تلك إذ رفعت رأسي فأبصرت شابا قبيحا ظهر لي من احدى نوافذ عمارة قريبة، كان يعمل على توجيه سلاحه الى تلك الشابة، وذلك ما جعل الذعر يدب في جسدي مرة أخرى، بعد ان تصورت انه قد فارقني من غير رجعة. فتسمرت في مكاني ليس بسبب إصابتي وانما بسبب خوفي على تلك الجميلة هذه المرة، لكني خشيت أن أفعل أي شيء، وفي حقيقة الامر لم يكن بمقدوري ان أفعل أي شيء في تلك اللحظات، ومن مكاني ذاك خلا افتراض ما كان عليه شكل حياة ذلك الشاب القبيح. لا بد انه ولد لأب قاسٍ وعاش محروما في طفولته، ولا بد أنه يمارس الرذائل ويعيش حياة عابثة بلا هدف او امل. وفي لحظة ما أطلق رصاصة غدره فاخترقت جسد الشابة التي سقطت في الحال على الأرض، وابتسم وجهها الجميل الذي لامس تراب الرصيف. أما هو فقد توارى خلف ستارة غرفته تماما كما فعلت أنا، ولست واثقا مما حدث بعد ذلك لكني كنت واثقا من ان بإمكاني تصور ما سيحدث بعد ذلك، لا بد وان هذه الجريمة هي الخطوة التي ستقود ذلك القبيح الى عذابه الذي سيناله حتما. أما هي فلا بد ان تكون روحها قد حلقت بجناحين جميلين الى مكان أفضل من ذلك الشارع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى