كوكب المدينة!
قال خالي: عندما كنا في مقتبل العمر لم تكن أقدامنا قد وصلت إلى العوالم النائية التي تفصلها عن ريفنا الواقع في (أبو شيحة) أنهار ومفازات شاسعة! .. نعم، كنا نسمع بوجود أشياء يسمونها المدن، وأن الحياة فيها تختلف عن حياتنا، وكانوا يقولون: إن الذهاب إلى تلك المدن محفوف بالمخاطر، فهي ذات شوارع متداخلة ومتشابهة ومزدحمة لا يأمن المرء على نفسه من الضياع فيها! ولذلك كان حتى الكبار الذين يتمكنون من الذهاب إليها يتحاشون ذلك ما أمكنهم! وقد كانت المرة الأولى التي تعرفنا فيها – نحن الصغار – على بعض مظاهر المدينة، عندما كنا نسترجع دروسنا مع سائر التلاميذ في مدرسة (الإصلاح) وكانت هي المدرسة الابتدائية الوحيدة في ريفنا؛ إذ هبطت على مدرستنا مجموعة كبيرة من الأطفال قدرناهم بثلاثين طفلا؛ وكانت أعمارهم تقارب اعمارنا؛ وكانوا كلهم متشابهين في البدانة وحمرة الوجه وحتى ثيابهم النظيفة كانت متشابهة تماماً وكأنهم طفل واحد قد تم استنساخه ثلاثين مرة! وحيث لم نكن نعرف معنى الاستنساخ، فقد ذهب بنا التصور إلى أنهم يجب أن يكونوا إخوة توائم! ولكن أي أم بمقدورها أن تنجب ثلاثين توأماً دفعة واحدة؟! ولم نستطع حل لغز هذه الكائنات الغريبة حتى قال لنا معلمنا: إنهم طلاب ينحدرون من أسر غنية تسكن المدينة ويرتادون مدارس خاصة، وقد جاؤوا إلى ريفنا في رحلة مدرسية! .. والغريب أنهم جلسوا يستريحون غير بعيد عنا، وقد أخرجوا من حقائبهم قوالب مثل الاسفنج الأصفر وبدأوا يأكلونها بشهية! وقد بلغتنا رائحة الطعام المنبعث من داخل الاسفنج وسال له لعابنا، وكانوا أثناء قضمهم شطائرهم تتساقط منها حبات صفراء اللون حسبناها من الخرز؛ إذ لم يسبق لنا أن حصلنا على شرف التعرف على الذرة! ولما حملنا تلك الحبات الغريبة لاحقاً؛ لنسأل عنها أهل الخبرة، اختلفت آراء هؤلاء الخبراء بشأنها بين قائل: إنها شيء يدعى الفستق، وقائل: إنها ضرب من الحمٌص!غادر أبناء كوكب المدينة ريفنا بعد ساعة من وقوفهم في مدرستنا، وعدنا إلى سابق نشاطنا، واستطرد معلمنا في درس العلوم يشرح لنا معنى القلب، وقال لنا: إن القلب يشبه الكمثرى! جحظت عين أخي الأكبر وهمس في أذني: ولك صويدق آنه أعرف الگلب، بس هاي الكمثرى شني؟! فأجبته بكل ثقة: إنها شيء يشبه القلب!
حسن مطر



