اخر الأخبار

بين الجبر و التفويض ..المعصوم و فعل الحرام ثنائية لا يمكن جمعها

uyo97

تعد العصمة مسألة خلافية مهمة بين المذاهب الإسلامية لذلك صنف علماؤنا الكثير من الكتب فيها وفي شروحها وتوضيح معناها من الكتاب ثم من السنة،واليوم سنتناول بعض الأسئلة المتعلقة بموضوع العصمة مثل ما معنى أن يعصم الله تعالى الأنبياء؟ ،وهل معنى ذلك أنّه تعالى يمنعهم قهرًا من فعل الحرام؟، وهل يستطيع المعصوم فعل الحرام أم لا؟.
العصمة الجبريّة
لقد أجاب بعضهم: نعم، إنّ العصمة هي قهريّة، اضطراريّة، جبريّة، فالمعصوم حينما يهمُّ بفعل الحرام، فإنّ الله تعالى يتدخَّل ويمنعه قهرًا عن فعل ذلك الحرام، ومثالاً على هذه الفكرة يقولون: إنّ النبيّ يوسف حينما همَّ بامرأة العزيز، وكاد ينزلق في فعل المحرَّم، تدخّل الله تعالى، ومنع النبيّ (عليه السلام) من ارتكاب الإثم جبرًا وقهرًا.
ويبرِّرون تفسير العصمة بالنحو الجبريّ, بأنَّ الله تعالى أراد أن يعطي نموذجًا صافيًا للإنسان من كل إثم، حتى لو كان مقهورًا في فعله، فإنَّ ذلك لا يمنع من كونه نموذجًا لسائر الناس.
لكن يرد على هذا التبرير بأنّ العصمة الجبريّة للأنبياء عليه السلام تخرجهم عن مقام القدوة للناس، إذ كيف يقتدي الناس بمن يختلف عنهم بكونه مجبرًا على الصلاح، بينما هم في معرض الخير والشرّ، بل إنّ المؤمن المستطيع لفعل الحرام حينما يزجر نفسه عن المحرَّم باختياره، فإنّه يشعر بكونه أفضل من الأنبياء (عليهم السلام)، فلو أنّ مؤمنًا حاولت إحدى النساء المتزوِّجات الجميلات إغواءه، واستطاع أن يزجر نفسه عنها، فإنّه سيشعر في سرِّه بأنّه أفضل من النبيّ يوسف (عليه السلام)، فهل يستقيم هذا الأمر مع دعوة القرآن الكريم إلى الاقتداء بالأنبياء بقوله تعالى:”أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ” سورة الأنعام،الآية 90.
لا أعتقد أنّ من فسَّر العصمة بكونها جبريّة غير ملتفت إلى ما تقدَّم، إلاّ أن ما ألجأه إلى هذا التفسير هو صعوبةٌ وجدها في المواءمة بين كون العصمة من الله تعالى وبين كونها اختياريّة، إذ كيف يكون النبيّ مختارًا في أفعاله، وفي الوقت نفسه معصومًا من الله تعالى؟!.
العصمة الاختياريّة
إنّ الجواب على السؤال المتقدِّم يكمن، بداية، في تفسير معنى العصمة، وهي “ملكة نفسيّة تمنع المتّصف بها من الفجور مع قدرته عليه”.
وهذا التعريف يحتاج إلى تفصيل، فالعصمة عبارة عن علم خاص، راسخ في النفس،قد وهبه الله تعالى للنبيّ، أو غيره ممّن عصم، بحيث أنّ هذا العلم الخاص بالعالم به هو بأن يرى الطاعة كما هي عليه في الواقع من جمال، والمعصية كما هي عليه في الواقع من قبح، فتكون صورة الشيء في نفسه واقعيّة دومًا لا يستطيع إبليس أو أحد من الناس أن يغيِّرها بتزيين المعصية، أو تقبيح الطاعة، وهذا ما تقدّم في تفسير المخلَص، فالمخلَص نبيًّا كان أو غيره، نقيتْ نفسُه نقاءً تامًّا تبقى معه صور الأشياء على ما هي عليه في الواقع دون تبديل، وعليه، فهو حينما يرى المعصية قبيحة، فإنّه لا يقدم عليها باختياره، وحينما يرى الطاعة جميلة، فإنّه يندفع إليها باختياره، ومن باب المثال، فإنّ الله تعالى يصف أكل مال اليتيم بأنّه أكلٌ للنار، إذ يقول تعالى:”إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا”سورة النساء، الآية 10, والمعصوم يستطيع باختياره أن يأكل مال اليتيم، إلاّ أنّه لا يقدم على ذلك, لأنّه يراه على حاله الواقعيّة نارًا، فكيف يقدم العاقل على النار ليأكلها، فلو أنّ طبيبًا علم يقينًا أنّ مصابًا بمرض السلّ المعدي شرب من كوب ماء، وانتقلت إليه الجراثيم المعدية، وكان الطبيب عطشان، فهل يشرب من الكوب نفسه؟! بل هل يتردّد في الشرب أو عدمه؟! أو أنّه يكون مصمِّمًا باختياره أن لا يشرب منه،ولو أنّ مهندس كهرباء علم بأنّ السلك الكهربائيّ الذي أمامه فيه قوّة قاتلة، فهل تراه يقدم على لمسه؟!!
وعلى هذا الأساس يفسَّر موقف النبيّ يوسف (عليه السلام) الذي قال الله تعالى في توصيفه “هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ” سورة يوسف،الآية 24.
إنّ زليخة همّت به، ولكنّ النبيّ يوسف (عليه السلام)، لأنّه رأى برهان ربّه، وهو ذلك العلم الخاصّ الذي يريه الأشياء على ما هي عليه، فيرى الحرام قبيحًا هم بالخلاص منها وليس بالاقبال عليها وهذا هو دور العصمة،وهذا ما أشار إليه الإمام الرضا (عليه السلام) في حديث طويل قال :”وأما قوله في يوسف (عليه السلام) “ولقد همت به وهم بها” فإنها همت بالمعصية،وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما تداخله ..” ،وقول الصادق (عليه السلام) في حديث إلى أن قال ..ألم ينسبوا يوسف (عليه السلام) إلى أنه هم بالزنى ؟!،أما قوله تعالى : ” لولا أن رأى برهان ربه ” أنه “عليه السلام” أوحي إليه أنه إن هو ضربها تذرعت هي بأنه أراد منها الفحشاء ولذا ضربني لامتناعي عنه ، أي أرشده الله تعالى إلى أن لا يضربها لئلا تتوسل إلى الملك باتهام يوسف “عليه السلام” .لذلك فحجية أن المعصوم هم بالمعصية هنا باطلة تأسيساً لأنه كيف يكون معصوماً ثم يفكر بارتكاب المعصية.
أثر العلم الخاصّ على مقدِّمات المعصية
من هذا نعرف أن شهوة النبي لم تتحرَّك،لأنّ صورة ذلك المشهد في نفسه قبيحة،وهذا الأمر يمكن أن نتعرَّف عليه نحن، وذلك حينما نتأمّل في بعض الأمور التي تحصل معنا نتيجة بيئة وتربية متراكمة،وهذان المثال سيوضحان ما نصبو اليه.
ـ المثال الأوّل: الجائع ولحم الخنزير
تربّى المؤمنون في مجتمعنا على كون لحم الخنزير حرامًا، حرمةً أضحى معه أكل هذا اللحم قبيحًا جدًّا، فلو أنّ أحد هؤلاء المؤمنين كان جائعًا جدًّا، ومرَّ من أمام مطعم يشوي لحم الخنزير، وتفوح رائحته، فهل هذا المؤمن الجائع العارف بكون المشويّ هو لحم خنزير تتحرّك شهوته نحوه؟،لا أظنّ أنّ أحدًا سيجيب بـ: نعم، بل إنّ تلك التربية ستشعره بالانزعاج والقرف حتى لو كان جائعًا.هكذا كان النبيّ يوسف عليه السلام يرى المشهد لذلك هم بالابتعاد بالخلاص منها.
ـ المثال الثاني: النظرة إلى المحارم
في أغلب المجتمعات الإنسانيّة تربية حثيثة على النظرة الخاصّة إلى المحارم، كالأم، والأخت، والابنة، ونحوهنَّ، بحيث نرى أغلب الناس لو رأى أمّه، أو أخته، أو ابنته، في مشهد جماليٍّ يثير الآخرين، فإنّ غريزته لا تتحرّك، عادةً، بسبب أنّ الصورة المركَّزة في نفسه هي كون هذه المرأة من المحارم.
إنّ هذين المثالين يوضِّحان لنا أنّه يمكن من خلال تربية خاصةٍ أن ينقِّي الإنسان نفسه، فيعصمها من تزيين إبليس وتقبيحه.
وهذا ما فعله الله تعالى مع أنبيائه وأوصيائه، فهو قد نقَّى أنفسهم، وأفاض عليهم العلم الخاصّ بحقائق الأمور، فكانوا يستطيعون فعل الحرام وترك الطاعة، لكنّهم ما كانوا يفعلون ذلك, لأنّهم يرون الطاعة في مشهد الجمال الذي يبعثهم نحوه، والمعصية في مشهد القبح الذي يبعدهم عنه.يبقى سؤال هو:لماذا منح الله هذا العلم لأناس بالخصوص دون سائر الناس؟.والجواب: إنّ الله تعالى علم بعلمه الأزليّ، قبل خلق الناس، أنّ هؤلاء الناس بالخصوص سيعبدون الله تعالى عبادة لا تشوبها شائبة، وترتقي على عبادة غيرهم من الناس، فأعطاهم الله تعالى منحة سابقة،اي أنه يعرف بمقدرتهم على تحمل العصمة وعدم مقدرة غيرهم على ذلك،لذلك أفاض عليهم العلم الخاصّ المفضي الى العصمة،وهذا الجواب مستفاد من كلمات الشيخ المفيد الذي قال: “العصمة تفضُّل من الله تعالى على من علم أنّه يتمسّك بعصمته”.
ومما تقدم نستنتج أن العصمة لا يمكن أن تكون إلا اختيارية لعدم فضل المعصوم جبرياً على الناس العاديين فما بالك بالعلماء والصالحين، إذا العصمة اختيارية واختياريتها متأتية من كون المعصوم يعرف سوء وقبح الخطأ وإن صغر لذا يتجنبه باختياره كما نتجنب نحن السم، فيستحيل عند ذلك ارتكابه للخطأ مع قدرته عليه،لذا عصم الله تعالى الأنبياء والأئمة(عليهم السلام)كي يكونوا نموذجاً وحجة له على خلقه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى