من لعب بأخلاقنا «شاطي باطي»؟!
ثمة شأن هو الأهم في حياتنا، لكنه غاب عن المقاربة الفكرية والإعلامية، بالرغم عن تلك الأهمية البالغة، وعن دوره الحيوي في صناعة “شكل” حياتنا، لكنه “ضاع” في زحمة أيامنا، شأنه شأن “الضائعات” الأخرى.
الشأن الأخلاقي، يكاد يكون غائبا عن مفردات يومنا، وحينما يتناوله أحدنا لا يصغى أليه، بل يُنظر الى من يتحدث عن الأخلاق؛ وكأنه بطران و”فايخ”، أو قادم من مجاهيل كتاب نهج البلاغة!
نتعلل بأننا نعيش تحت ظل ضغوط رهيبة؛ تعصرنا عصرا..ضغوط من كل نوع: ضغوط معيشية ولهاثنا الذي لا إنقطاع له، وراء ما يقيم أودنا، بحد أدنى من الكرامة الأنسانية، ضغوط الفراغ المجتمعي الذي وقعنا فيه، ونحن نتعرض الى تصحر معرفي، ونكوص ثقافي، وتراجع قيمي أدى الى سيادة منطق التغالب.
نتعلل بالضغوط السياسية؛ كي نبرر تراجع مستوياتنا الأخلاقية، ونتعكز على إنعكاسات أمنية قاتلة لا تستثني أحدا، كي نعطي تسويغا أبله، لما نمارسه من خطايا تجاه أنفسنا، وتجاه البيئة الإجتماعية التي ننتمي اليها.
لآ أزعم أن هذا التراجع المخيف؛ أمر طارئ علينا، ولا هو من إحدوثات ما بعد 2003، بل أنه تراجع و نما ونشأ وترعرع، في أحضان قرن على الأقل، من حكم الأنظمة الحاكمة السابقة، وتضافرت على تجذيره في مجتمعنا، جهات خارجية وداخلية بكد وتعب، حتى أوصلتنا الى نظام القهر الصدامي، الذي لعب بقيمنا وثوابتنا الأخلاقية والمجتمعية، “شاطي باطي”!
كان من المؤمل أن يكون زوال نظام القيح الصدامي، فرصة مثالية لمراجعة واسعة، لهذا الواقع المريع، وما خلفه فينا من أسقام، وفي مقدمتها الأسقام الأخلاقية، لكننا لم نفعل ذلك؛ ولم نقدم حتى على الخطوة الأولى، وبقينا أسرى عقلية أخلاقية مريضة، قوامها أنا الأول والثاني والثالث الى الأخير، ولا أول قبلي ولا آخر بعدي!
كي نقف على أهمية الأخلاق في إعادة بناء المجتمع، هاكم معادلة الخوارزمي الرائعة عن الإنسان، هي كلام أغلى من الذهب.
سُئِلَ عالم الرياضيات ” الخَوارِزمي” عن الإنسان فأجاب :إذا كان الإنسان ذا أخلاق فهو يساوي (١)، وإذا كان الإنسان ذا جمال فأضف إلى الواحد صفراً فيساوي الرقم (10)، أماإذا كان ذا مال ايضاً فأضف صفراً آخر فيساوي الرقم (100) ، وإذا كان ذا حَسَبٍ ونَسَب،ٍ فأضف صفراً آخر، فيساوي الرقم (١٠٠٠ )، فإذا ذهب العدد واحد وهو الأخلاق، ذهبت قيمة الإنسان، وبقيت الأصفار التي لا قيمة له…
الصدامية مُنتَج أخلاقي لعصور التغييب المعرفي مجتمعة، وهي باقية كسلوك لدى كثيرين منا، وهي مزاج عصر إمتد لقرابة أربعين عاما، ومن السذاجة تخيل إمحاء آثار تلك الأربعين عاما، في اليوم التالي لـ 9/4/2003!..
كلام قبل السلام: العبرانيون ذهبوا الى بابل همجاً؛ وعادوا متمدنين، ذهبوا وليس لهم ادب معروف، وعادوا ومعهم الشطر الاكبر من مادة التوراة، بعد ان عاشوا في ذلك الجو الباعث على النشاط الذهني في العالم البابلي / المؤرخ ويلز ، من كتاب (معالم الانسانية)…!
سلام…
قاسم العجرش
qasim_200@yahoo.com



