المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكتاب المصري فرحات جنيدي


فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.
الفصل الثاني
كان ديوان القرابين هو المبنى الوحيد في العاصمة الذي لا تغلق أبوابه ولا ينطفئ مصباحه, ولا يقترب منه أحد إلا القاصد وبعلم مسبق, حتى الجند لا يملكون الشجاعة على الاقتراب إلا في حالة التهديد المباشر، وذلك عند اقتراب شخص لا يملك إذن الدخول، حتى لو كان من كهنة الإله “نتر”. وكان للمرأة الأربعينية تجاربها الخاصة ومشاغباتها التي شكلت في وجدانها ملامح التمرد والصرامة التى ترتسم على وجهها, وكانت مهمتها الإشراف الكامل على كل ما يصل للإله “نتر” أو ما يدخل قصره من طعام وملابس وأثاث وحلي, وأي خطأ يحدث معها أو في ديوان القرابين هو تهديد لروح الإله ويهدد الدولة العاصمة, ولا يحق للآخرين أن يختلفوا معها، أو يهاجموها, أو حتى يكتبوا تقريراً عنها، فالكل يشعر بالرعب بمجرد ذكر اسمها أو سماع صوتها, وكان لها الحق في إهدار دم أي شخص كان داخل العاصمة، ولها الحق أن تختار من الجند أو الرعية من يعمل معها في الديوان. وبرغم ذلك كانت تخشى رجلا واحدا في العاصمة بعد الإله “نتر”، وهو الدون “خرخور”، حاكم الملاجئ والذراع الأيمن للإله “نتر” في العاصمة. كان للدون “خرخور” الحق في إصدار الأحكام القضائية، وتشغيل البلطجية وإطلاقهم على الرعية في الملاجئ.
كان الدون “خرخور” يجتمع مع الإله “نتر” كل خميس ليجيب على سؤال واحد فقط ومكرر: من يُسقط الدولة؟ والويل كل الويل لمن يُذكر اسمه على لسان “خرخور” مهما علت قيمته ووزنه وتأثيره. وكان “خرخور” دائماً ما يؤكد للإله “نتر” أن العاصمة في حالة حرب ضد الخونة، وأن روحه العظيمة مهددة من الداخل بسبب سوء الأداء لهؤلاء الذين ذُكِر اسمهم على لسانه، ليكتب الإله مرسوماً بذبحهم وتقطيعهم وإطعامهم لكلاب الحراسة في الميادين أمام الجند. وكان الديوان دائماً ما يروّج للجند وللرعية في الملاجئ أن العاصمة في حالة خطر شديد، وأن الإله يحارب كل ليلة من أجل حل مشاكلنا، ويتحمل وحده الرعب والخوف حتى نعيش نحن في سلام.
ارتبكت المرأة الأربعينية فجأة، فأمسكت بسكين كبيرة ونظرت إليها بغضب شديد، ثم استدارت نحوي والغضب يتزايد على وجهها. لكنها سرعان ما عاودت النظر إلى السكين وتراجعت للخلف ووضعت السكين على منضدة بالقرب من باب الغرفة, وأمسكت بكوم من الملابس الفاخرة وألقت بها على جسدي المُمتد على لوح من الرخام بوسط غرفة جدرانها من الزجاج الملون، تتوسطها مرآة كبيرة، وبالقرب مني إناء كبير من النحاس مملوء بالماء الساخن، يتصاعد منه البخار، ويمتزج بدخان المبخرة طيب الرائحة. شعرتُ بارتباكها وغضبها المكبوت وأنا أتابعها وهي تلقي فوقي أكوام الملابس. لم أبادر بكلمة أو سؤال حتى سقطت قطع الملابس فوق رأسي فحجبت الرؤية عني, شعرتُ بيدها تقترب من جسدي برفق شديد وكأنها تخشى أن توقظني, تركت السكين بجواري ومضت. إلتزمتُ صمتي وسبحت مع فكري حتى أغلقت الباب بعنف. مددت يدي أحاول أن أرفع تلك الملابس عن وجهي والفضول يقتلني والشوق في عيني يتفجّر وأنا أحاول أن أُعاود التأمل في تلك الغرفة العجيبة. لكن لا أدري لماذا تراجعت واستسلمت لما أنا فيه؟ والأسئلة في رأسي لا تنتهي, لماذا فعلت كل هذا؟ هل الجند عادوا ليبحثوا عني؟ هل أبلغوا الدون “خرخور” بهروبي من الملجأ؟ أم أنا ميت وهذا الماء لوداعي الأخير؟ لا لا، الماء الساخن لا يُحضّر إلا إذا كان الميت كاهنا عظيما، لكن نحن الرعية نُدفن كما متنا. تقتلني الحيرة والفضول وترهقني كثرة الأسئلة، لكن الجميل في الأمر أني لا أشعر بالجوع أو العطش، حتى الخوف لا مكان له في قلبي وأصوات الكلاب البعيدة لا تهزني. ماذا حدث لي؟ ولماذا وضعت تلك السكين بجواري؟اخترقت أذني أصوات هامسة خلف باب الغرفة فشعرتُ بخوف لم أشعر به منذ أن دخلت ديوان القرابين, لكنه خوف غير الذي انا معتاد عليه, لِمَ لا يهزمني؟ تسللت بأصابعي وسط أكوام الملابس التى فوق رأسي وصنعت لعيني نافذة تراقب الباب. لا أدري لماذا فعلت ذلك؟ ولا أدري لماذا أمسكت يدي بتلك السكين؟ فُتح الباب وإذ بها تدخل الغرفة وعلى وجهها إبتسامة صفراء ساخرة غاضبة, يخرج من فمها كلمات الترحيب بمن يخطو خلفها لكن نبرة الحزن تسبق المعاني, ها ها، إني أتحدث حديث الموتى. نعم الموتى، فما أدراني أنا بصوتها وإبتساماتها؟
تحركت إلى الأمام وخلفها ضيفها، وبدأت في مساعدته في خلع ملابسه وهو يضحك ويقول لها “أريد أن أكون اليوم إلهاً”. ثم صمت، وقال بصوت ضعيف “لا لا, يكفيني نصف إله، فذلك المجنون إن شعر بعظمتي قتلني وأطعمني لكلابه”. ضحكت وقالت “لا تقلق، فمصدر قوته منك، وهو قوي بك، وهو يعلم ذلك جيداً، ولا يستطيع أن يفعل بك شيئاً، فمن أين يأتي بمثلك”؟ ثم صمتت لحظة وقالت بصوت مرتفع وكأنها تريد أن تسمع العالم كله وعيناها نحو أكوام الملابس التي تخفيني “أنت خرخور العظيم”. ارتبكتُ وتزايد الخوف في صدري وقبضت يدي على السكين أكثر, تحركت برأسي من أسفل الملابس وأخذت زاوية كي أنظر إليه فأنا لم ألقَه من قبل. كل ما أعرفه عنه حكايات وحكايات كلها تشيّب الطفل في رحم أمه. ها هو ذلك المتجبر الملطخ الأيدي بدماء آلاف وآلاف من الرعية, ها هو برأسه الأصلع وعينيه الجاحظتين وأنفه المنتفخ ووجهه الكبير المستدير الأسود كملابس الرعية والجند. ها هو بجسده الطويل كالليل الذي حل علينا ولم يرحل, ها هو بذراعيه القويتين اللتين تبطشان وتقتلان بلا رحمة, ها هو ببطنه الممتدة المنتفخة التي تمتلئ بما يحرم علينا من طعام ولا نعرف عنه شيئاً غير الرائحة التي تخرج من هذا الجسد المتعفن, ها هو الدون “خرخور” حاكم الملاجئ. إذًا هو حاكم تلك المرأة الأربعينية أيضاً وتلك السكين هي طريق الخلاص منه. نعم، نعم، هي وضعت السكين من أجل هذا, إنها تعاني منه مثلنا تماماً, سأقتلك وأقطع جسدك ألف ألف قطعة وأوزعها على سكان الملاجئ.تابعت النظر إليه وانتظرت حتى ينتهي من خلع ملابسه وتخرج هي ويبدأ هو في الإستحمام, ما هذا؟ إنه يتمدد على لوح رخام يشبه ذلك الذي أنام عليه, ما هذا الذي تفعله تلك المرأة؟ إنها تغسل جسده برفق, إذًا لِمَ هذه السكين؟ لا يهمني، سأقتله. همست بصوت حنون وقالت “مهلاً تمهل ليس الآن”. إمتلكني شعور غريب بأن هذا الكلام لي وليس له, قررت أن أتمهل ومضيت أراقبهم وإذ بها تبتسم له مرة أخرى تلك الإبتسامة التي لا معنى لها غير الكراهية، وقالت “وماذا تحب أن تقول للإله “نتر” اليوم”؟ ضحك وقال “بالتأكيد سأتكلم معه اليوم عن الأمن والسياسة الداخلية”. قالت “إذًا تريد أن أُؤكد ما ستقوله في لقائي مع كاهنه الأول”؟ قال “نعم، أريد أن يكون حديثنا على المستوى السياسي واحداً لكن على المستوى الاقتصادي نختلف في بعض الأشياء حتى تظلي أنتِ أكثر دراية مني بذلك الأمر، ولكي لا يجدنا متشابهين في الرأي فتستمر ثقته فيكِ وتستمر روح الإله “نتر” في رعاية الأحباب”. قالت بخوف “نعم، نعم سأفعل”..



