ثقافية

اللغة العربية في تركيا.. أتاتورك وعصام العطار

2544

سليمان طعان/ آكاديمي سوري

ثمة رأي يذهب إليه غير قليل من الدارسين هو أن الخط المشترك ساهم في تقارب الشعوب الإسلامية ثقافياً وحضارياً، ففي رأيهم أن الخط العربي الذي كتبت به الفارسية والتركية والأوردو شكّل نظاماً رمزياً واحداً، قرّب بين هذه الشعوب على الرغم من اختلافها اللغوي. وهو رأي له وجاهته، إذا نظرنا إلى حالة الفتور الثقافي بين العرب والأتراك ـ ولا سيما في الجانب الأدبي ـ وإلى صورة الآخر في الأدبين، وهي صورة ليس فيها ما يشير إلى أن هاتين الأمتين عاشتا أربعة قرون في ظل دولة واحدة، ويجمع بينهما دين واحد.
كان الانتقال إلى الأحرف اللاتينية بدلاً من العربية ضربة قاصمة لنظام الإشارات الذي أنتج فضاءاً رمزياً يربط الشعب التركي بالحضارة العربية ـ الإسلامية. كانت إحدى الذرائع التي قيلت آنذاك في سبيل تسويغ القرار أن الصوائت في اللغة التركية أكثر منها في العربية، بحيث يضيق نظام الحروف العربية عن التعبير عنها. غير أن هذا التحول لم يكن من أجل قطع الصلة بالتراث العثماني فحسب، ولكنه كان أيضا رغبة واضحة في تدمير حضور المقدس في وعي الإنسان التركي الذي يحظى الخط العربي بمكانة مقدسة لديه. فالقصد هو نزع قداسة اللغة عبر سلب الصورة البصرية التي تتمظهر بها، وتخليص اللغة التركية من الألفاظ العربية بوضع كلمات أجنبية مكانها. إذا تذكرنا أن كل هذا جرى بغية قطع الصلة بالتراث الإسلامي، ولا سيما العربي منه، أدركنا حجم الكارثة التي حلت باللغة العربية في تركيا، وهي اللغة التي كان تعليمها إلزامياً في المدارس والجامعات.
لكن العربية مع ذلك بقيت حاضرة في تركيا نظراً لوجود عدد كبير من العرب الذين وضعتهم اتفاقية سايكس بيكو وما تلاها من اتفاقيات ضمن أراضي الدولة التركية الوليدة. غير أن عدم الاعتراف بالتعددية اللغوية في تركيا ـ شأنها في ذلك شأن كل الدول في منطقة الشرق الأوسط ـ جعل اللغة العربية لدى الأتراك من ذوي الأصول العربية مقصورة على التداول الشفوي، ومن هذه الناحية يمكن التمييز بين ثلاث لهجات يتحدث بها العرب في تركيا:
اللهجة الأولى في ولايتي ماردين وسرت، وتسمى “المحلمية”، وهي قريبة من لهجة سكان الجزيرة السورية. ودخلت كلمات تركية كثيرة إلى هذه اللهجة التي قامت بإخضاعها لقواعد النحو العربي.اللهجة الثانية في منطقة أورفا “حران”، ومعظم سكان المنطقة هم من العشائر العربية الأصيلة التي تنتمي في معظمها إلى قبائل قيس العدنانية. والملاحظ أن هؤلاء هم أكثر الفئات محافظة على لغتهم العربية، نظراً لقلة انصهار أفراد هذه المجموعة بالمجتمع التركي، وحصر التزاوج فيما بينهم، مدفوعين بعوامل المحافظة على صفاء النسب والعرق. ولهجة هذه المجموعة هي لهجة منطقة الفرات في سوريا، والتي تتميز بالمحافظة على الحروف اللثوية، والخلط بين الضاد والظاء، وقلب القاف جيماً إنجليزية “g”.
اللهجة الثالثة والأخيرة هي لهجة سكان منطقة إسكندرون، وتضم خليطًا من القبائل العربية التي تشبه لهجتها لهجة المجموعة السابقة، وسكان المدن والقرى الذين يتحدثون لهجة قريبة من اللهجة الدارجة في الساحل السوري.
غير أن أهم ما يمكن ملاحظته على اللهجات السابقة هو استعمال ألفاظ قديمة غابت عن التداول في الجانب السوري من الحدود؛ فالأجيال السورية الشابة التي ذهبت إلى التعليم الرسمي تخلت عن كثير من الكلمات المتداولة في لهجات آبائها وأجدادها، واستبدلت بها كلمات فصحى، أخذت تجد لها حضوراً في الحياة اليومية مع انتشار وسائل الإعلام المعاصر، واتكائها على مفردات الفصحى لمخاطبة جمهور متنوع لهجياً. أما على الجانب التركي من الحدود فقد بقيت تلك الكلمات مستعملة في الحياة اليومية. وقد فوجئ السوريون أن مضيفيهم الأتراك يستعملون كلمات، خرجت من مجال التداول اليومي إلا لدى كبار السن.فيما يتصل باللغة العربية لدى الأتراك، فإن سياسات التتريك والتغريب ساهمت في انحسار اللغة العربية الفصحى، فاقتصر استعمالها وتعلمها على قراءة القرآن الكريم، حتى إن أحد زملائي الأتراك علق مازحاً بأنه لم يكن يتخيل أن هناك أناساً يستعملون اللغة الفصحى؛ لأنها لغة أصبحت، في نظره، مقصورة على أداء العبادات. وعلى الرغم من ذلك، فقد استمرت بعض المدارس المهمة في تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم، كمدرسة القراءات في مدينة سامسون، ناهيك طبعاً عن المراكز التقليدية في إسطنبول وبورصا وقونيا، والتي عانت كثيراً أيام الحكم العسكري المباشر.مع بداية حكم العدالة والتنمية ذي الميول الإسلامية، كان من أهم برامجه الانفتاح على الفئات المحافظة في المجتمع التركي، واستقطابها لصالحه، عبر التوسع في مدارس الأئمة والخطباء التي تشكل اللغة العربية مادة أساسية فيها، وافتتاح عشرات كليات الشريعة (الإلهيات) وأقسام اللغة العربية، استقطبت المئات من الآكاديميين العرب، وخصوصاً السوريين منهم. وتعزز ذلك مؤخراً بجعل العربية لغة اختيارية من بين اللغات الأجنبية التي يمكن للطلاب في المدارس غير الدينية اختيارها، وهو ما سيدفع ملايين الأسر التركية إلى اختيارها لأطفالهم الصغار، كما أن اختيارها سيساهم في ردم الهوة بين اللهجة العامية واللغة الفصحى لدى الأتراك من ذوي الأصول العربية.غير أن هناك بعض المعوقات التي تعترض تعلم اللغة العربية، منها أن مناهج تعليم اللغات الأجنبية في تركيا ما تزال بعيدة عن روح العصر، باعتمادها الطرق التقليدية، يكفي أن نذكر أن “الجزء الرشيدي” ما يزال هو الطريقة المتبعة في تعليم الأحرف لطلاب الصف الأول في مدارس الأئمة والخطباء. وهذه هي الطريقة التي كانت متبعة في الكتاتيب قبل دخول التعليم النظامي إلى البلاد العربية.
منذ أيام، وبمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، دعيت لإلقاء محاضرة في المركز الثقافي في إحدى مدن شمالي تركيا. في الوقت الذي يسبق المحاضرة وضع القائمون على المركز قصيدة يستمع إليها الجمهور. كانت قصيدة عصام العطار:
طال المنام على الهوان فأين زمجرة الأسود؟
نظرت إلى صورة الجنرال الذي كانت عيناه تجوسان المكان, فشعرت بحجم التناقض بين الصوت المنبعث بالقصيدة الحماسية وبين صورة الجنرال على الجدار. كان ذلك أبلغ تعبير عن مآلات المسار الذي اتخذته تركيا منذ مئة عام تقريباً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى