ما بعد الانتخابات الأمريكية.. الصراع داخل الحزبين

بقلم: ليلى نقولا..
تكشف الانتخابات الأمريكية النصفية 2026 أن الانقسام السياسي في الولايات المتحدة لم يعد يقتصر على التنافس التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل بات يمتد إلى داخل كل من الحزبين أنفسهما. وبات النقاش يمتد إلى أسئلة أكثر جوهرية حول موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، وحدود استخدام القوة العسكرية، ومستقبل العلاقة مع الحلفاء، وفي مقدمتهم “إسرائيل”، فضلاً عن تداعيات الحرب مع إيران على الاقتصاد الأمريكي والمكانة الدولية للولايات المتحدة.
أولاً: الجمهوريون والمعضلة الاستراتيجية
يتركز النقاش داخل الحزب الجمهوري بعد الانتخابات على أسباب الخسارة، وبدأت المراجعة تتمحور حول أسئلة:
هل أصبح ترامب عبئاً انتخابياً؟
هل أدت الحرب على إيران إلى خسارة الحزب؟
هل الأولوية يجب أن تعود للاقتصاد بدلاً من الملفات الثقافية والسياسة الخارجية؟
من سيقود الحزب في 2028: ترامب أم تيار ما بعد ترامب؟
وهنا ينقسم الحزب الى تيارين:
–التيار الترامبي، ما زال يرى أن المشكلة ليست في الرئيس بل في الظروف الاقتصادية والحرب مع إيران التي رفعت أسعار الطاقة وأضعفت المزاج الشعبي.
–أما داخل أوساط أخرى من الحزب، فبدأ يظهر رأي أكثر جرأة يعتبر أن تمحور الحزب حول شخص ترامب والذي طبع مسيرة الحزب خلال العقد الماضي جعله أقل قدرة على اجتذاب الناخب الوسطي والمستقل. لذا بدأ بعض القيادات الجمهورية يلمّح إلى أن الحزب يحتاج إلى مرحلة انتقالية تسمح له بالحفاظ على القاعدة الترامبية، من دون البقاء أسيراً لترامب نفسه.
ثانياً: الديمقراطيون ومعضلة تفسير الانتصار
في المقابل فتح الانتصار الكبير سجالاً داخل الحزب الديمقراطي حول الأسباب التي قادت إلى هذا الفوز، فانطلق جدل بين الجناح التقدمي والجناح الوسطي حول تفسير الفوز:
التقدميون يقولون إن الناخبين كافأوا الخطاب الأكثر جرأة. المعتدلون يقولون إن الفوز تحقق لأن الحزب قدم مرشحين أكثر وسطية في ولايات محافظة.
ويكتسب هذا الخلاف أهمية خاصة لأنه يتعلق مباشرة بسباق الرئاسة المقبل. فالحزب الديمقراطي لا يناقش فقط من سيتولى القيادة، بل أي نوع من القيادات يحتاجه المجتمع الأميركي في مرحلة تتراجع فيها الثقة بالمؤسسات وتتزايد فيها التحديات الاقتصادية والجيوسياسية.
وهنا تكمُنُ معضلة الحزب: كيف يحافظ على هذا التحالف في الانتخابات الرئاسية المقبلة، من دون أن تؤدي الخلافات حول الاقتصاد والهوية والسياسة الخارجية إلى تفكيكه؟
ثالثاً: عودة الاقتصاد بوصفه محدداً أساسياً للسلوك الانتخابي
أحد أبرز الاستنتاجات التي تكررت في معظم التحليلات الإعلامية هو أن الناخب الأميركي أعاد ترتيب أولوياته السياسية حول الاقتصاد أكثر من أي قضية أخرى. فقد برزت موضوعات التضخم وأسعار الوقود والقدرة الشرائية باعتبارها عوامل حاسمة في تشكيل المزاج الانتخابي.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أنها تعكس تحولاً من السياسة القائمة على قضايا الهوية والثقافة واللجوء والتحوّل الجنسي التي سادت عام 2024، نحو السياسة القائمة على اعتبارات المصلحة الاقتصادية المباشرة. وهذا يعني أن شرعية أي إدارة أميركية خلال السنوات المقبلة ستكون مرتبطة بدرجة متزايدة بقدرتها على تحسين المؤشرات المعيشية أكثر من ارتباطها بالشعارات الأيديولوجية الكبرى.
رابعاً: “إسرائيل” من عنصر إجماع إلى موضوع نقاش
تأريخياً، شكّل دعم “إسرائيل” أحد أكثر الملفات توافقاً بين الحزبين الأميركيين. إلا أن التطورات خلال السنوات الأخيرة، والحرب مع إيران، أعادت فتح نقاش واسع حول طبيعة هذا الدعم وحدوده.
الجديد في النقاش الأميركي داخل كل حزب هو انتقال النقاش حول دعم “إسرائيل” إلى سؤال استراتيجي يتعلق بحسابات الكلفة والعائد، خاصة بعد الحرب على إيران، إضافة إلى النقاش حول جرائم الإبادة التي ارتكبتها “إسرائيل” في غزة.
وحتى داخل الأوساط الداعمة تقليدياً لـ”إسرائيل”، بدأت تبرز تساؤلات حول ما إذا كان الانخراط العسكري الأميركي المباشر في الحروب المرتبطة بأمن “إسرائيل” يخدم المصالح الأميركية، أم يفرض على واشنطن أعباءً سياسية واقتصادية وعسكرية لا تتناسب مع المكاسب المتحققة.
خامساً: الحرب مع إيران وإحياء النزعة الواقعية
لعلّ أكثر القضايا تأثيراً في النقاشات السياسية الراهنة هي الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية. ومن الناحية الفكرية، أعادت الحرب إحياء جدل قديم داخل الولايات المتحدة بين تيارين:
–الأول، يرى أن الحفاظ على الهيمنة الأميركية يتطلب الاستعداد لتحمل أعباء أمنية وعسكرية كبيرة خارج الحدود، وهو التيار الذي استطاع توجيه قرارات إدارة الرئيس ترامب بدعم إسرائيلي، ويلتقي مع الرؤية التدخلية التي ارتبطت تأريخياً بالمحافظين الجدد.
–أما الثاني، فيعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة بناء الداخل الأميركي وتقليص الانخراط في الصراعات الإقليمية المكلفة، وهو تيار حركة “أمريكا أولاً” الذي يضم اتجاهات قومية ومحافظة متباينة، لكنها تلتقي في التشكيك في جدوى تحمل الولايات المتحدة أعباءً خارجية لا ترى أنها تحقق عائداً مباشراً للمصالح الأميركية. ويلتقي معه في بعض هذه المواقف التيار التقدمي الديمقراطي، رغم الاختلاف الكبير في المنطلقات الفكرية والسياسية بين الطرفين.
وهكذا، يبدو الاستنتاج الأبرز من النقاشات الدائرة بعد الانتخابات الأميركية، أن جزءاً واسعاً من المجتمع الأميركي وجّه رسالة إلى الطبقة السياسية، مُفادها أن الشرعية السياسية باتت مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بالقدرة على إدارة الاقتصاد وتجنب المغامرات الخارجية المكلفة.
لكن الرسالة لا تعني بالضرورة أن المجتمع الأميركي أصبح رافضاً لدور الولايات المتحدة العالمي، بقدر ما تعكس تزايد التساؤلات حول طبيعة هذا الدور وحدوده، وحول ما إذا كانت الالتزامات الخارجية الحالية تحقق عائداً يتناسب مع تكلفتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
ومن منظور استراتيجي أبعد، تعكس هذه التحولات أن النخبة السياسية الأميركية المقبلة سوف تدفع الولايات المتحدة نحو مرحلة تُقاس فيها السياسة الخارجية بمدى خدمتها للاستقرار الاقتصادي الداخلي. وإذا استمر هذا الاتجاه حتى 2028، فقد نشهد انتقالاً تدريجياً من أمريكا التي تسعى إلى قيادة العالم مهما كانت الكلفة، إلى أمريكا أكثر انتقائية وحساباً للكلفة والعائد.



