غياب رؤية التخطيط يعرقل مسار التنمية ويفاقم أزمة المشاريع

رغم الصلاحيات الواسعة
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
تمتلك وزارة التخطيط العراقية صلاحيات واسعة تجعلها إحدى أهم المؤسسات الحكومية المعنية برسم مستقبل البلاد الاقتصادي والتنموي، ووضع الخطط الكفيلة بتحديد أولويات الإنفاق الاستثماري وتوجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر حاجة، إلا أن واقع المشاريع المتلكئة، وتراجع بعض القطاعات الإنتاجية، واستمرار التحديات الاقتصادية، تثير تساؤلات بشأن مدى فاعلية دور الوزارة وقدرتها على تحويل الخطط والدراسات إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.
وتتولى الوزارة إعداد الخطط التنموية والاستثمارية، وتحديد أولويات المشاريع بالتنسيق مع الوزارات والمحافظات، فضلا عن متابعة نسب الإنجاز وتقييم أداء المشاريع الاستراتيجية، وإصدار المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بالفقر والبطالة والتضخم والنمو السكاني، كما تمثل البيانات التي توفرها الوزارة أساسا مهما لرسم السياسات الحكومية وتحديد احتياجات البلاد في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والبنى التحتية.
ورغم أهمية هذه الصلاحيات يرى مراقبون أن الدور التخطيطي لا يزال دون مستوى التحديات التي يواجهها العراق، في ظل استمرار البيروقراطية، وضعف التنسيق بين المؤسسات الحكومية، وتأخر إقرار الموازنات، فضلا عن تعثر عدد من المشاريع الخدمية والاستراتيجية في بغداد والمحافظات، مبينين أن هذه المشكلات تعكس الحاجة إلى منظومة تخطيط أكثر فاعلية، تربط بين الدراسات والقرارات الحكومية والتنفيذ الفعلي على أرض الواقع.
ويؤكد المراقبون أن معالجة الفقر والبطالة لا ينبغي أن تقتصر على إصدار المؤشرات والإحصاءات الدورية، بل تتطلب وضع برامج تنموية متوسطة وطويلة الأمد، تستند إلى تشخيص دقيق لأسباب المشكلات الاقتصادية، وتحدد أهدافا واضحة ومواعيد زمنية للتنفيذ، مع اعتماد آليات متابعة ومحاسبة تضمن تحقيق النتائج المطلوبة.
ويبرز ملف التخطيط العمراني وتوزيع المؤسسات الحكومية بوصفه أحد التحديات التي تحتاج إلى معالجة جدية، إذ إن إقامة بعض المؤسسات والمنشآت في مواقع غير ملائمة قد تتسبب باختناقات مرورية، وتحُدُّ من التوسع السكاني، وتعرقل تنفيذ مشاريع أخرى.
ومن جانب آخر يرى مختصون أن تجاوز هذه الإشكالات يتطلب دراسات مسبقة تأخذ في الحسبان التوسع السكاني والاحتياجات الخدمية وطبيعة المناطق، ضمن رؤية متكاملة تشمل قطاعات الاقتصاد والصحة والتعليم والنقل والإسكان.
وفي هذا السياق يرى المهتم بالشأن الاقتصادي صالح مهدي الهماش في حديث لـ” المراقب العراقي ” أن “وزارة التخطيط ينبغي أن تؤدي دوراً أساسيا وفاعلا في رسم هيكلية الدولة وتحديد توجهاتها الاقتصادية والتنموية، باعتبارها الجهة المعنية بوضع الرؤى والخطط التي تُنظم مسار التنمية وتحدد أولوياتها”.
وأضاف الهماش أن “إبعاد الوزارة عن تأثيرات المحاصصة والضغوط السياسية يمثل خطوة ضرورية لضمان استقلالية القرار التخطيطي، مشددا على أهمية إسناد مسؤولياتها إلى شخصيات مهنية ومتخصصة تمتلك الخبرة والقدرة على وضع الخطط ومتابعة تنفيذها بعيدا عن المصالح السياسية.”
وأشار الى أن “إصلاح واقع التخطيط في العراق يتطلب أكثر من تغيير الإدارات أو إعداد برامج جديدة، إذ يحتاج إلى تعزيز كفاءة المؤسسات، وتوحيد الرؤية بين الوزارات السيادية والقطاعية، وربط التخصيصات المالية بالأولويات التنموية، إلى جانب تفعيل الرقابة على تنفيذ المشاريع ومحاسبة الجهات المقصرة”.
وفي ظل التحديات المالية والاقتصادية التي تواجه البلاد، تبرز الحاجة إلى استراتيجية وطنية واضحة تحدد هوية الاقتصاد العراقي، وتقلل الاعتماد على الإيرادات النفطية، وتدعم القطاعات الصناعية والزراعية والإنتاجية، فنجاح وزارة التخطيط لا يقاس بعدد الدراسات والتقارير التي تصدرها، بل بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرارات، والخطط إلى مشاريع مُنجَزة، والرؤى إلى تنمية مستدامة يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية حسب رأي الخبراء.



