اخر الأخبارثقافية

آمنة العزاوي تحول شظايا الزجاج إلى نوافذ للجمال في واقع مضطرب

المراقب العراقي/ رحيم يوسف..

قبل أكثر من عام كتبتُ عن تجربة الفنان التشكيلي الدكتور علي شاكر «ورود»، ولعل تشابه العنوان مع معرض الفنانة آمنة العزاوي «زهور» أعاد تلك التجربة إلى ذاكرتي. لا أستحضرها هنا من باب المقارنة، فالتجربتان مختلفتان كلياً في منطلقاتهما وآليات اشتغالهما، وإنما لأن كلتيهما تفتح نافذة على الجمال، وتمنحنا فرصة للابتعاد، ولو مؤقتاً، عما يعتري واقعنا العراقي من تقلبات واضطرابات. وإذا كان علي شاكر قد أمسك بروحية الورود، موثقاً حضورها في فضاء جمالي يحول دون ذبولها في النسيان، فإن آمنة العزاوي اتخذت مساراً مغايراً، إذ حولت الشظايا والمهشمات قصداً إلى زهور تنتج الجمال من قلب الانكسار.

نحن إزاء فنانة شابة تمتلك طموحاً كبيراً، سواءٌ على الصعيد الدراسي، فهي حاصلة على درجتي البكالوريوس والماجستير في الفن، وتعمل حالياً على إعداد رسالة الدكتوراه، أم على الصعيد العملي، من خلال مشاركاتها في المعارض الجماعية. وها هي تقيم معرضها الشخصي المختلف في قاعة سلام عمر، ضمن مشروعها الفني الذي كتبنا عنه سابقاً. وفي هذه التجربة يبرز سؤال مهم: هل تتأسس وحدة الشكل على سلامة أجزائه، أم يستطيع الانكسار إنتاج وحدة جديدة تحتفظ في داخلها بآثار تفككها السابق؟.

في معرض «زهور»، لا تقتصر التجربة على استثمار مادة مهملة أو إعادة توظيفها، بل تقوم على فعل متعمد يبدأ بكسر الأواني الزجاجية، ثم إعادة تجميع شظاياها لتكوين زهور بأحجام مختلفة. وبذلك، يصبح الكسر جزءاً أساسياً من العملية التشكيلية، لا حادثاً عارضاً يسبقها. فالفنانة لا تستعيد الشكل الأصلي للإناء، ولا تحاول إخفاء ما لحق به، وإنما تفكك بنيته الأولى لتؤسس منها تكويناً جديداً، لا تربطه بالأصل سوى ذاكرة المادة وآثار انكسارها.

من هنا، يبدو مفهوم التدوير غير كافٍ لفهم هذه التجربة، على الرغم من إمكانية استخدامه بالمعنى التقني الواسع. فالتدوير ينصرف عادة إلى إعادة توظيف المواد المستهلكة، بينما يتأسس معرض «زهور» على إحداث التشظي بإرادة مسبقة، ثم تحويله إلى نظام بصري مغاير. إننا إزاء عملية تجمع الهدم والبناء في لحظة إبداعية واحدة؛ إذ تفقد الأواني هويتها الاستعمالية، وتكتسب شظاياها قيمة تشكيلية جديدة، ضمن تكوينات تستحضر الزهرة علامةً على التفتح والحياة.

وتتضح خصوصية التجربة في المفارقة التي تقيمها بين الشظية والزهرة. فالشظية تُحيل، في دلالتها المباشرة، إلى الانكسار والفقد ونهاية الشكل، بينما تستدعي الزهرة معاني النمو والتجدد والجمال. لكن آمنة العزاوي تجمع بين هذين المتعارضين، وتجعل ما تهشم جزءاً من صورة تستعيد الحياة. إنها لا تمحو أثر الكسر، بل تمنحه وظيفة جديدة، بحيث لا يعود دليلاً على النهاية، وإنما يصبح أحد شروط البداية.

وفق هذا المنظور لا تمثل الشظايا أجزاءً ناقصة تنتظر إكمال صورتها السابقة، بل تصبح عناصر فاعلة في تكوين مستقل. فالمعنى لا يعود محصوراً في الهيأة الأولى للإناء، وإنما ينفتح على إمكانيات جديدة تنتجها عملية التفكيك وإعادة التكوين. كما أن الماضي لا يختفي تماماً؛ إذ تبقى آثار الشكل السابق حاضرة في المادة، حتى بعد انتقالها إلى هيأة مغايرة. وهنا تتجلى أهمية الأثر، بوصفه صلة بين ما غاب وما يحضر، وبين هوية المادة السابقة وهويتها الجديدة.

ومع أن معظم المعروضات تعتمد لوناً واحداً، فإن هذا الخيار لا ينتقص من قدرتها على إنتاج متعة بصرية خالصة؛ إذ يتقدم التكوين وعلاقات الأجزاء على التنوع اللوني، وتصبح بنية الشظايا وطريقة انتظامها العنصرين الأكثر تأثيراً في استقبال المتلقي. ومع ذلك، تظل أحادية اللون خياراً جمالياً يمكن تأمله في ضوء ما تتيحه من إبراز للتكوين، وما قد تحُدُّ منه، في المقابل، من إمكانيات التباين اللوني.

أما تصنيف التجربة ضمن الفن المفاهيمي، فيحتاج إلى شيء من التحفظ. فتعمد الكسر، وإعادة تجميع الشظايا، وتحويل الأواني إلى زهور، يمنح المعروضات بعداً فكرياً يتجاوز الجانب التقني، لكنه لا يكفي وحده لحسم انتمائها إلى هذا الاتجاه. فالفن المفاهيمي يتطلب أن تحتل الفكرة موقعاً مركزياً في بناء التجربة، وأن تتقدم على الاعتبارات الشكلية أو تتكامل معها ضمن تصور واضح. أما ما يظهر في «زهور»، فهو تداخل بين فعل مادي مقصود ورؤية تصميمية وجمالية، تجعل التجميع القائم على التفكيك وإعادة التكوين الوصف الأقرب إلى بنيتها، مع إمكانية انفتاحها على دلالات مفاهيمية أوسع.

إن ما حققته آمنة العزاوي لا يتوقف عند تحويل الأواني المهشمة إلى زهور، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة النظر في العلاقة بين الجزء والكل، وبين سلامة الشكل وإمكانية ولادة شكل آخر من انكساره. فالفنانة لا تعيد بناء ما كان، وإنما تؤسس شيئاً لم يكن موجوداً من قبل، مستخدمة آثار ما هدمته مادةً لتكوين جديد. ومن هنا، لا تكون الوحدة حقيقة ثابتة تسبق الأجزاء دائماً، بل قد تنشأ من العلاقات التي تتشكل بينها بعد تفككها.

وهذا ما يمنح معرض «زهور» أهميته فهو يقدم الجمال لا باعتباره نقيضاً للهدم، بل بوصفه إمكانية تنشأ في أعقابه. فالشظية التي فقدت مكانها في الإناء تستعيد حضورها داخل الزهرة، والمادة التي انفصلت عن وظيفتها السابقة تدخل في نظام بصري جديد. وبين الكسر والتفتح، تفتح آمنة العزاوي أمامنا سؤالاً يتجاوز حدود المادة إلى إمكانيات الخلق ذاتها: هل يحتاج الجمال إلى اكتمال الأشياء، أم يستطيع أن يولد من شظاياها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى