رئة المدينة
يمكن القول إنَّ إقامةَ المساحات الخضراء فِي المُدُن، تُعَد فعالية لها أهمية كبيرة فِي توفيرِ فرص الراحة وَالتمتع بمباهجِ الطبيعة للسُكّان، بوصفِها الرئات الَّتِي تتنفس مِنْ خلالِها المستوطنات البَشَريَّة، الأمر الَّذِي فرض عَلَى الدوائر البَلَديَّة وَأقسام التَّخْطِيط العمراني السعي الحثيث لإنشاءِ الكثير مِنْ المتنزهاتِ وَالحدائق العامة، فضلاً عَنْ محاولةِ توزيعها عَلَى أرجاءِ المدينة بما ينسجم مَعَ الكثافةِ السكانية وَمساحة الأحياء السكنية؛ لأنَّ القرار بزيادةِ عدد المناطق الخضراء لا تقتصر منافعه عَلَى مهمةِ تجميل فضاءات المدن بما تحتويه مِنْ نباتاٍت مختلفة الأشكال وَالألوان، وَمرافق جمالية مثل النافورات وَالبرك وَغيرها، بل تفضي فِي الوقتِ ذاته إلى المُسَاهَمَةِ بتعزيزِ متطلبات البيْئَة الصِحِّيَّة للإنْسَان، وَتعكس رقي فن الشعوب وَرفعة ذوقها، حيث أنَّ المساحاتَ الخضراء تُعَد إحدى الروابط القوية مَا بَيْنَ الإنْسَان وَمحيطه؛ لحاجته الدائمة إلى تيسرِ مواقعٍ يستريح فيها، وَيأنس بجمالِها تعويضاً عَنْ الكثيرِ مِنْ عناءِ العملِ اليومي وَمشقته.
لَيسَ خافيا أنَّ مِنْ بَيْن الاخفاقات الَّمميزة لنَّشَاطُاتِ بعض الجهات الحُكُومية فِي المدةِ المَاضية، وَالَّتِي خيبت آمال الجمهور الواسعة فِي تحقيقِ إنجازات ترتقي بنتائجِها الى مستوى طموح مَنْ اكتوى بشظفِ العيش مِنْ أبناءِ هَذَا الشعبِ الصابر المجاهد، هو النَّشَاط الخاص بإقامةِ الأحزمة الخضراء، بالإضافةِ إلى زِرَاعَة الأشجار وَالشجيرات فِي حدائقِ البلَاد العامة وَساحاتها وَجزرات طرقها الوسطية وَمداخل المُدُن وَشوارعها، فضلاً عَنْ واجهاتِ الدوائر وَالبنايات الحُكُومية وَالأهلية وَغيرها مِنْ الأمكنة، لأَهمِّيَّةِ المناطق الخضراء فِي تجميلِ المواقع المحيطة بها وَجذب الأنظار إليها.
لا رَيْبَ أَنَّ أغلبَ مناطق البلاد الَّتِي حظيت فِي الأعوامِ الماضية بشمولِها فِي برامجِ الدوائر البَلَديَّة وَخططها الخاصة بإنشاءِ الحدائق وَالمتنزهات العامة، لَمْ يكن فيها الجهد البَلَدي موفقاً فِي مهمةِ التأثير بالبيْئَةِ المَحَلِّيَّة؛ لاقتصارِ إجراءات الدوائر البَلَديَّة بشكلٍ رئيس عَلَى فعاليةٍ محددة تمثلت بغرسِ النباتات مِنْ دُونِ التَّخْطِيطِ لتوجيه مفاصلها بمتابعةِ تأمين المتطلبات الأساسية الَّتِي بوسعِها المُسَاهَمَة فِي إيجادِ المُناخ الملائم لنُمُو النباتات وَتكاثرها بشكلٍ سليم. وَلعلَّ فِي القلبِ مِنْ اخفاقاتِ أمانة بغداد وَالدوائر البَلَديَّة فِي المحافظات، هو مَا ينحو صوب تهيئة الترب الملائمة وَإعدادها لإقامةِ هَذِه المَشْروعات، وَفشلها فِي مهمةِ انتخاب اصناف النباتات الَّتِي بمقدورها مواجهة قساوة الظروف المُناخية، فضلاً عَنْ تنامي مُشْكِلة الإرواء، وَالَّتِي تُعَد أكثر العوامل فعالية فِي الإطاحةِ بنتائجِ فعاليات هَذَا النشاط المفترض تحقيقها؛ جراء التسبب بمواجهةِ النباتات لِقدرِها فِي ظلِ الجفاف الَّذِي سلبها عنصر الحياة عَلَى الرغمِ مِنْ الجهودِ والأموال وَمختلف الإمكانيات الَّتِي جرى توظيفها لتحقيقِ هَذِه المهمة. وَهو الأمر الذي افضى إلى الحيلولةِ دون تحقيق نتائج ايجابية مؤثرة عفي صعيدِ التوسع بإقامةِ المناطق الخضراء، فلا غرو أَنْ تتحول النباتات بعد أيام مِنْ غرسِها إلى شواخصٍ محطمة الأغصان تهز مشاعر ناظرها وَتثير استياءه، بخلافِ مَا مرتجى مِنْ وجودها المتمثل بإضفاءِ الجمالِ عَلَى الأحياءِ السكنية.
إنَّ الواقعَ الَّذِي تقدم ذكره، يلزم الجهات المعنية بمراجعةِ خططها بالاستناد إلى النتائجِ المتحققة مِنْ تنفيذِ مشروعاتها، لتداركِ الإخفاق الَّذي يجري بحثه مِنْ أجلِ تلافيه فِي برامجِها المُستقبلية.
فِي أمَان الله.
لطيف عبد سالم العگيلي



