رواية «مثلث الموت».. تجريد النص والأسئلة الكبيرة


أحمد عواد الخزاعي
رواية (مثلث الموت) للروائي علي لفتة سعيد، والصادرة عن دار سطور 2016، يمكن أن تعد تأسيسا لاتجاه سردي روائي عراقي يغوص في المسكوت عنه، ويحاول أن يصور الواقع العراقي على وفق رؤية موضوعية، تقوم على أساس تجريد النص السردي وإبعاده عن التأثيرات الجانبية وبمعزل عن الفوضى الفكرية والإعلامية التي تسود الشارع العراقي في الوقت الراهن، وهي جزء مهم من أدب ما بعد التغيير الذي سلط الضوء على المتغيرات السياسية والاجتماعية والأمنية التي شابت المشهد العراقي ما بعد 2003. وشهد هذا النوع من السرد حضور الروائيين والقصاصين العراقيين بقوة وفعالية داخل نصوصهم الأدبية، معبرين عن هذا الواقع الجديد برؤية ناضجة، جاعلين من أبطالهم نافذة لإيصال آرائهم وتصوراتهم عما حدث ويحدث، وقد اثبت هذا الحضور خطأ نظرية (موت الكاتب) داخل نصه الأدبي. كما يؤكد هذا المعنى الناقد ياسين النصير في كتابة القاص والواقع “الفن القصصي ليس نتاجاً لحالة سيكولوجية يعيشها الكاتب أو البطل، بل نتيجة لجدلية فكرية وعلائق اجتماعية”.
في رواية (مثلث الموت) استطاع الروائي علي لفتة سعيد أن يقدم لنا نصا سرديا يحمل أبعادا فكرية غاية في الأهمية، وأجاب على بعض الأسئلة الكبيرة التي تحاول تفسير الكثير من الظواهر السلبية التي رافقت الحراك الاجتماعي بعد التغيير، وبالأخص ما يتعلق بالهاجس الأمني الذي يعد حجر الزاوية في المشكلة العراقية المزمنة، استخدم فيها أسلوبا سرديا تقليديا يعد الركيزة الأساس في السرد الروائي، والأكثر قربا إلى القارئ، مبتعدا عن مفهوم الشخصية المحورية الواحدة التي يرتكز إليها البناء الفني للنص، حيث تعددت الشخصيات التي تكفل الروائي بشرح أبعادها وملامحها وصفاتها، مستثمرا بعضاً منها لجعلها مشجبا يعلق عليه بعض أفكاره ورؤاه، مستخدما ما أطلق عليه جيرار جينت (اللواحق الخارجية) وهي المعلومات التكميلية التي زجها ضمن السياق البنيوي للنص للتمهيد للحدث الرئيس، مثل مشهد تجوال احمد وخضير في شوارع بغداد، وتصويره لحجم الخوف والفوضى اللذين كانا يسيطران على تلك المدينة آنذاك. ومشهد سائق سيارة الأجرة الذي تلقى خبر مقتل قريبه في منطقة اللطيفية على يد الإرهاب. وقد تحاشى الروائي ذكر أسماء بعض أبطاله مستخدما ألقابهم الرسمية، ليضفي بعدا واقعيا أكثر رصانة، متحاشيا استخدام تقنية الرمز في هذا الجانب من الرواية. وأطّر هذا الأسلوب بلغة أنيقة سلسة ابتعدت عن التعقيد اللفظي، مع إسهاب في تصوير المشاهد، وحرفة كبيرة في إدارة الحوار، ورسم الأبعاد النفسية والسلوكية لأبطاله، فاختار ثيمة التقطها من صميم الواقع العراقي، وأعدّ لها بناءاً هرميا تتداخل فيه الأحداث وتتشعب، ضمن ملحمة إنسانية جمعت أربعة صحفيين عراقيين يسكنون مدينة مقدسة قريبة من بغداد، اختلفت أمزجتهم وطموحهم ونظرتهم للحياة، لكنهم اجتمعوا في حيز واحد، وهو رفضهم للفوضى التي يمر بها بلدهم، مما قادهم للبحث عن سبل عدة في محاولة منهم لفك طلاسم أحجية ما يجري، فقادهم هذا البحث المضني إلى أن يقعوا ضمن ما يمكن أن نطلق عليه (وحدة المصائر).
الصحفي احمد المحب للحياة، الساعي إلى أن يعيش بسلام بمنأى عن التحزب، وقد عبر عن نظرته هذه في أكثر من موضع في سياق السرد “تحدثوا عن الحب والضوء والنور والشجر، لان الإرهاب يريد قتل الحياة فلنواجهه بالجمال”. الصحفي سلام، الذي تميز عن اقرأنه بجرأته الكبيرة التي تصل إلى حد التهور، هذه الشخصية الجامحة جعلت منه احد المقربين لمصادر القرار السياسي ووطدت علاقته بقادة المحافظة التي يسكنها، وقادته هذه الجرأة في نهاية المطاف ليصبح فريسة سهلة للإرهاب، بعد أن اختطفته إحدى الجماعات الإرهابية المسلحة التي كانت تنشط في مناطق جنوب بغداد، والتي أطلق عليها الروائي مصطلح مثلث الموت “في داخله اثنان من سلام.. الخائف الذي يجره إلى الاستسلام.. والصحفي الذي يقاتل وعليه أن لا يستسلم للموت”. الصحفي منتظر، تلك الشخصية المضطربة الانتهازية، التي تحاول الإفلات من كابوس الفوضى والعنف، وحلمه بان يحصل على لجوء انساني في إحدى الدول الغربية، بغض النظر عن الثمن الذي سيدفعه لنيل هذا المبتغى، في لقائه بالمحافظ وقبل أن يخبره الأخير بمقتل صديقيه احمد وخضير في مثلث الموت على يد الإرهاب، يفصح الكاتب عن طبيعة هذه الشخصية الانتهازية “عليه تقبل ما يمكن حدوثه فكل شيء سيصب في صالحه في النهاية، ما دام السفر إلى الخارج لن يتعدى اليومين المقبلين”. الصحفي خضير، صاحب الإرث الغارق بالخوف والترقب، والعيش على هاجس الموت أو السجن لهروبه من الخدمة العسكرية لمدة طويلة ابان النظام السابق “الحياة في العراق هو الشيء الاستثنائي وليس الموت.. يتذكر خضير إن هذه الجملة سمعها من قبل .. في الحرب التي شارك فيها لثلاثة أسابيع فقط ثم هرب ولم يعد للجبهات، كانت صحراء الخفجي هي آخر محطة له في الحروب”. لقد ارتبط هؤلاء الأربعة بحيز مكاني فرضته عليهم ظروف المرحلة الحرجة التي يمر بها بلدهم وهو (مثلث الموت) الواقع جنوب بغداد، ليشكل هذا المكان (المكون الجامع للعمل الفني) كما اسماه ياكسون. فكان لسلام أن تختطفه الجماعات الإرهابية المسلحة التي كانت تنشط هناك، ويطلق سراحه بعد أن أجرى لقاءاً صحفيا مع قائدها، بعد أن وعد بنشره في الصحيفة التي يعمل لديها، لكن الحظ لم يسعف صديقيه الآخرين احمد وخضير اللذين ذهبا ضحية للإرهاب في نفس المكان المشؤوم، ليبقى منتظر يترقب وينتظر ويتابع من مدينته المقدسة التي يسكنها، وينشر الأخبار حول اختفاء رفاقه الثلاثة.
كانت أجواء الرواية تدور في فلك التقصي والأسئلة التي تبحث لها عن إجابات حقيقية، تشير هذه الأسئلة الخطيرة إلى نمطية فكرية يعيشها العقل الجمعي العراقي، ومحاولته معرفة السبب الحقيقي الذي يقف وراء الفوضى والإرباك الأمني الذي يضرب مفاصل الحياة في العراق، وعن الجذور الحقيقية لنشأة الإرهاب ودوافعه ومن يقف وراءه.. لتأتي الإجابات مرتبكة مجتزئة تارة، ومغلوطة ومؤدلجة تارة أخرى.. فلم يجب المحافظ عن تساؤلات منتظر بصراحة خوفا على العملية السياسية ولدرء الفتنة، وفشل سلام في الحصول على إجابات صادقة بعيدة عن التطرف والانحياز من قائد المجموعة الإرهابية المسلحة التي اختطفته. لكن بالرغم من هذه الضبابية فان الروائي استطاع الإجابة على بعضها بين ثنايا النص، من خلال تصويره للواقع العراقي بصدق يحمل الكثير من الجرأة، واستطاع النفوذ إلى أدق خلجات النفس الإنسانية في لحظات مواجهتها للخوف والموت، عبر مشاهد وانتقالات حكائية صنعت بدراية عالية، متخطيا فيها حقل الألغام، والولوج عبر البوابات السوداء التي يمكن أن توضع في طريق أي منجز أدبي يحاول إماطة اللثام عما مر ويمر به العراق.. وقد أجاد برؤيته الفنية الفذة وخبرته الأدبية الكبيرة، أن يضع بين أيدينا منجزا أدبيا ناضجا يستحق الإشادة والاهتمام.



