ثقافية

الحدود

2444

إحسان عبد الكريم عناد

منذ ربع قرن وانا اراقب الحي الذي اقيم فيه. لا ارى سوى هذا العالم من شباك غرفتي. تشرق الشمس وانا اعد قهوتي والجرائد. اتخذ الركن نفسه، الزاوية نفسها التي يمر من خلالها الضوء وهو يزحف ببطء في الشارع الرئيس. ثم تتنفس الأجواء وتزداد حركة العابرين، المحال تعرض جوفها، تختلط الالوان والحركات في لوحة مكررة..
كثير من الناس لم اعد اراهم.. هكذا فجأة في صباح ما يختفون ولايتركون بعدهم اثراً.. قليل منهم يكبر هنا.
ذلك الرجل الاشيب كان شاباً. وتلك الفتاة الجميلة لم تكن في محطة الباص.. لم تلتق ذلك الشاب الذي هجر الحي.. تركني وامه وهاجر الى الحرب ولم يعد.. سألنا عنه فقالوا لنا انه بقي هناك.. هناك على الحدود.. بعد أشهر قليلة هاجرت امه خلف الحدود أيضاً..
اطيل النظر إلى خارطة قديمة اعلقها منذ ربع قرن.. اتلمس بيدي الحدود.. يرسم اصبعي خطا من الشوق فوقها، ولهفة خفية في الوصول هناك.. ولكني لم ازل هنا وحيداً. اراقب الحي وانتظر.
انتظر جاري القديم الذي كلما شكوته وحدتي قال: اغمض عينيك لتغادر حيثما شئت. هو اغمض عينيه وغادر أيضاً. فأتمتم: هو غادر أيضاً.
اغمض عيني ليختفي العالم في عتمة. وينزاح الزمن عن مساره المكور ليصبح خطا مستقيما.. يخترق الفضاءات، يجتاز الحدود، من دون ان افتح عينيّ. اصرخ: هنا، هنا، على تلك الحدود اريد ان يكون مكان اقامتي الجديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى