النص الشعري والإشكاليات اللغوية


قيس مجيد المولى
كثيرة هي أسئلة الشعر، ومنها بِمَ يرتبط النص الشعري؟ أو بالأحرى هل من الضرورة أن يرتبط بمفصل ما؟ وهل هذا الارتباط ارتباط تراكمي أم وليد لحظته؟ وحين يكون على سبيل المثال خاضعا لمعطيات مجتمعية أو تاريخية فهل يتلبس الوجود الكياني للمنتج بالتاريخ أو المجتمع؟ وفي هذا الحال كيف توصف بنية العمل الأدبي وحركة النص ومكوناته الدلالية وغير الدلالية؟. لا بد من الإشارة أن حركة النص تحفز موجوداته في تكوين كتلته الدلالية وكيفية تحفيزه على الإنفتاح، فالنص كما تراه جوليا كرسطيفا في إصدارها علم النص (ليس مجموعة من الملفوظات النحوية وغير النحوية، إنه كل ما ينصاع للقراءة عبر خاصية الجمع بين مختلف الطبقات الدلالية الحاضرة داخل اللسان والتي تعمل على تحريك الذاكرة الجمالية).
فالنص خطاب متعدد ومتحول وفي كل نشاط رمزي قدر من الإختلاف والإخلاف (diffrenciation)، واللغة الشعرية حاملة للمعنى وفيها من الدال من يحمل نسقه السيمائي وفيها قدراتها التعويضية فيما يتصل بمسها للجوانب المعرفية والفكرية ضمن سلسلتها التواصلية في الجانب الجمالي، ولا شك أن التوقف إزاء اللغة يعني أن لايمكن دراسة وظيفة (النص ـ النص الشعري) حين نتغافل عن إدراك الإشكاليات العامة للغة وحين تنحصر الوظيفة الشعرية كما يرى رومان باكبسون تنحصر هذه الوظيفة باللغة فقط فإننا نذهب الى عملية تبسيط مُخادع. فالإشتغال اللا شعوري على سبيل المثال يعني تحرير الطاقة المكتوبة، أي إعادة الخزين الباطني بصوره ووقائعه الزمكانية لإعادة إنتاجه، وإعادة الإنتاج تلك عبر وظيفة المعنى والتي تعني هذه الوظيفة هوية الشاعر التي تأخذ تقاطعاتها الدلالية وبياناتها الإحتمالية في التطابق أو التماثل مع ما تهبه اللحظة الشعرية من أفكار ووحدات رمزية ومنوعات من المفارقة ضمن مخيلة تخلق أسطورتها وأحيانا تتخطاها للإفلات من قبضة الواقع ووقائعه بعد لأن تتوفر اللغة الحرة غير المقيدة والتي تمنح للنص فرصته في تغيير العلاقة بين الملمات وأشيائها.
وفي الشعر يجوز انتهاك كل شيء، إن تمت الإساءةُ للغة أو لم يسأ إليها، إن أمكن استخدامها بما تملك من قوة، فتطورها كامن فيما يراه الشاعر من حاجاته ومن نوازعه الدفينة عبر توأمة أمله ومأساته. فاللغة لدى الشاعر أحيانا لغة طبيعية وهي أحيانا لغة عاطفة وجدانية وقد تكون أحيانا بتعبير ورد زورث اصطناعات من الترابط والزخرفة لكنها في كل ذلك لها خاصية ما في نوع جماليتهما، لها درجات في حديتها وطرائق تفجيرها.
وعبر تاريخ الشعر هناك من بحث عن الحقيقة في النص الشعري وهناك من بحث عن اللذة ولا شك أن تطور مفهوم العقل الباطن والانفعال أديا لشيوع استخدام الرمزية من جهة والاستخدام السوداوي لسرديات اللامرئي في مماثلة للبحث عن الكونيات وعن أشكال أخرى من التعسف الذي يزخر به الوجود تجاه الفرد كمخلوق وكقيمة.
ولا شك أن هناك غاية مشتركة لمجموعة العوامل التي تمثل أدوات الإنتاج للنص ويتم الاستحكام بها من خلال العمل الفني أي فنية تحفيز تلك المشتركات على إضافة شيء من السحر الإضافي وإن سمي ذلك بالتناغم أو بالتناقض فهو استثارة مستمرة للدهشة لكي يصبح كل شيء في ذلك المحتوى هاما وفريدا، ولن تكون هناك حاجة لتفسير اللغة أو عرض سخريتها إذ هي تستمر في تقديم عرضها الشيق بتفكيك دالاتها المألوفة وهو تحولٌ ليس بالمقصود نحو الغموض والالتباس رغم أنه تحول مفرح بالنسبة للشاعر كون المنتج حراً بما يصل إليه ما دامت الغاية البحث عن الجمال والوصول حد الإفراط به ضمن اللا يقينيات والأسرار والشكوك.
ولا شك، يجوز بالشعر كما الفنون الأخرى انتهاك كل شيء بما في ذلك القناعات الأخلاقية، فليست الكلية والتناسق أساسا نهائيا للجودة إذ إن الاضطراب والفوضى مقودان مهمان يقودان إذ ما توفرت رؤيا نفسية مصاحبة من الإيحاء ببعد دلالي أعم لكل من اللغة والعاطفة في إطار المحتوى المتعدد الأغراض في النص الشعري وقد يكون لدى البعض من الغرابة أن يكون التنظيم من خلال الفوضى، والتي من خلالها يتحرر الشاعر من العديد من القيود الشعرية الموروثة ما دام الشعر هدفا غير عقلاني، وذاتيته تكمن في الضرورة لفهم خلوته الغيبية وانقطاعه في لحظة خاصة وراقية عن العالم المألوف.
وعلى هذا الأساس ليست هناك حدود قصوى تقف عندها العاطفة وليس هناك نداء داخلي لا يُسمع، والعاطفة الأصيلة تتمتع بمتطلبات الإحساس بالتعبير وهي تقدم لهذا الإحساس مستلزمات العملية الشعرية دون إغفال للجوانب الأخرى من متممات تلك العملية الشعرية ولا يتم البحث عن حالات للتوازن كي يكون المنتج مغريا فالتوازن أحيانا يعبر عن وقاحة العقل في رغبته لتسيد الأفعال العاطفية وتكوين نقلات إدراكية داخل الفيض الشعري بتدبير قوى التركيز العقلي وإيقاع الخيال بمصيدة الوعي باستخدام لغة معينة ما، إن تراكم القدرات المعرفية لا يعني كسر زجاج الخيال الشفاف لأن قوانين المعرفة ونمطياتها تقع خارج الخيال والخيال المنتج لايوصف بالنمطيات والقوانين لأنه عاطفة غيبية وقدراته التحسسية قدرات اكتشافية تكون اللحظة فيها كافية لاكتشاف عالم بأسره.



