خيط وإبرة ينقذان كتب بغداد من الاندثار

في أروقة سوق السراي ببغداد، ما تزال مهنة ترميم الكتب وتجليدها، حاضرة رغم تغيّر الزمن وتراجع الإقبال على الأعمال اليدوية، إذ يواصل أصحابها ترميم الكتب والمصاحف القديمة وإعادة الحياة إلى صفحات أنهكها الزمن والرطوبة.
منذ أكثر من خمسة عقود، يعمل جمال في هذه المهنة التي بدأها طفلاً في الحادية عشرة من عمره داخل مطابع شارع المتنبي، قبل أن يواصلها خلال خدمته في المطابع العسكرية، ويشير إلى أن دخول المنتجات المستوردة وتراجع الطباعة أثراً في انتشار المهنة، لكنه لا يزال متمسكاً بها.
ويستخدم جمال أسلوب “التعريش” لفصل الصفحات التي التصقت بفعل الرطوبة، ثم يعيد ترتيبها وتجميعها، فيما قد تستغرق عملية ترميم الكتاب نحو ساعتين بحسب حجم الضرر، كما تشمل أعماله ترميم المصاحف القديمة وتجديد أغلفة الرسائل الجامعية.
وفي المحل المجاور، يواصل أبو زيد، البالغ 90 عاما، عمله الذي امتد لنحو ستة عقود في تجليد الكتب وإصلاح الأقلام، محافظاً على حضوره اليومي في السوق رغم تقدمه في السن، مستعيداً ذكريات أيام كان فيها سوق السراي أكثر ازدحاماً وحركة.
وتحمل بعض الكتب التي تصل إلى هذه المحال قيمة تتجاوز الورق، بينها مصحف أحضره أحد المواطنين لترميمه، لأنه كان يعود إلى والده الراحل، وظل مرتبطاً بذكريات قراءته بعد صلاة الفجر.
وفي جانب آخر من المهنة، يعمل مازن منذ عام 2012 في تصميم أغلفة الكتب، مؤكدا، أن دخول الذكاء الاصطناعي غيّر بعض تفاصيل العمل، لكنه لم يلغِ أهمية المصمم وخبرته في صناعة الغلاف.
ومع إغلاق المحال أبوابها عند الثالثة عصراً، تبقى مهنة ترميم الكتب وتجليدها شاهدة على جانب من ذاكرة بغداد، في محاولة مستمرة لإنقاذ الكتب من التلف وإبقاء علاقتها بالناس حية في سوق السراي.



