في ذكراك أبا هادي.. غاب الصوت وبقيت الخطى

بقلم: العميد محمد الحسيني..
يا أبا هادي، هلاّ استمعت إلى الأرض التي لامستها خطواتك، فهي مازالت تنتظر صوتك وتهتف باسمك؟ وهلا شاهدتَ جنوبنا الذي تركته خلفك، وما حلّ به وبأهله؟ أم أن عينيك الآن ترنوان إلى جنّاتِ خلدٍ لا يشبهها حنين؟ ولأنك القائل: «إنّ الحدث فيما نراه لا فيما نسمع»، فقمْ أبا هادي وانظرْ؛ فالجنوب اليوم تُروى حكايته، ولا ناظر ولا مبصر. ها هي قرانا قد انقلب عاليها سافلها، وظاهرها باطنها، وهذه عوائلنا قد تشتّت شملها، ومنازلنا دُمّرت، فلم يبقَ منها إلا بضع مفاتيح في جيوب أصحابها، كأنها آخر ما تبقّى من ذاكرة. وهذه أشجارنا التي أحرقها أبناء «نازا» (NAZA) أبت أن تسقط، كأنها أرادت أن تبقى شاهدةً على محرقتهم. وحتى قبور أجدادنا الذين رقدوا في تراب الجنوب، امتدت إليها أيدي خرابهم، فبعثرت صمت الموتى، وقلّبت في التراب وجعاً، في محاولةٍ لتزوير التأريخ، عبر محو ما تركه الأولون في الأرض، وكتابة أسطورة أخرى من أساطيرهم فوق ركام الجنوب.
يا أبا هادي، ها هما عامان قد مرّا على رحيلك، فلم ينسحب المحتل، ولم يُطبَّق اتفاق، ولم يُترك السلاح، فلا أرض حُرّرت، ولا ناس عادوا، ولا جفّت دموع الأمهات، فما زلن يفتشن في صمت الليالي عن وجوه أبنائهن، ومازالت قرى كاملة تنتظر وعداً بأن تستعيد أسماءها وطرقاتها وذاكرتها.
أتعلَم سيدي أن الذين عرفتهم لم يتركوا الميدان حين اشتدّ الخطر؟ بعضهم مضى تحت الشجرة، وبعضهم خلف الصخرة، وبعضهم في الأنفاق، حتى هوى عليهم ترابها. مضوا، وبقيت أسماؤهم تجول في فضاء الوطن، كأن الأرض حفظت خطاهم حين عجزت عن حفظ أجسادهم.
انظر أبا هادي إلى جبل عامل؛ فمازال يحمل على كتفيه ثقل الحرب، فيما ينوء وطنٌ بأزماته، ويمضي زمنٌ تغيّرت فيه أشياء كثيرة منذ غاب صوتك. ولعلّ أقسى ما في الغياب أن الذين اعتادوا أن يروا وجهك في قلب العاصفة، مازالوا يبحثون عن ذلك الصوت كلما اشتدّت، وعن تلك الإشارة كلما ضاقت السبل؛ كأن بعض الغياب لا يترك مكاناً فارغاً فقط، بل يترك وراءه زمناً كاملاً يبحث عن صوته.
ولعلك أبا هادي، لو نظرت إلى المشهد اليوم، لما بحثت عن صورتك في الجدران التي هُدمت، بل لفتّشت عنها في وجوه الذين مازالوا يحملون أثقالهم؛ في عيون الأمهات، وفي خطى العائدين إلى قرى لا يعرفون إن كانت ستعرفهم حين يعودون، وفي يدٍ ترفع حجراً عن بيت، وفي عجوزٍ يتلمّس عتبة داره كأنه يتحسس ذاكرته. هناك، في تفاصيل الحياة التي بعثرتها الحرب، بقي شيء منك؛ ليس صورةً معلّقة على جدار، بل حضوراً صامتاً في الناس وفي المكان.
وتعرف، يا أبا هادي، أكثر من غيرك أن الرجال يرحلون وأن الميادين تتبدّل، لكن غيابك ترك في الحزب والقيادة فراغاً كشفته السنوات أكثر مما ملأته المسؤوليات. فبعض الحضور لا يُختصر بمنصب، ولا تعوّضه انتقالات المسؤولية من رجلٍ إلى آخر. وبقيت وجوهٌ عرفتَها، وأسماءٌ حملتها الذاكرة، وحكاياتٌ لم تُغلق فصولها بعد، فيما ظلّ الجنوب يحمل شيئاً من تلك السنوات، وظلّ لبنان يحمل أسئلتها الثقيلة. لذلك، فإن ذكراك اليوم ليست استعادةً لرجلٍ غاب فحسب، بل استعادة لزمنٍ كامل مازالت آثاره حاضرةً في الناس والمكان.
وكنت، يا أبا هادي، تُدرك كيف تخاطب الخوف حين يسكن في عيون الناس، وكيف تمنح الكلمة مكاناً للثبات حين تضيق المساحات. وحين كنت تتحدث في أصعب اللحظات، كان حضورك يسبق كلماتك؛ فيصمت الخوف لحظةً، وتصغي الوجوه، ويجد كلٌّ منهم في نبرتك ما يواجه به قلقه. وربما لهذا بقيت بعض كلماتك عالقةً في الذاكرة؛ لا لأنها قيلت في زمن الحرب فحسب، بل لأنها خرجت من قلبها، وعبرت إلى قلوب من كانوا يعيشونها.
أما أنت يا أبا هادي، فقد غاب الجسد، ولم تغب الأرض التي عرفت خطاك. بقيت في تراب الجنوب، وفي أسماء الذين رحلوا، وفي مفاتيح البيوت التي مازال أصحابها يحملونها، وفي عيون الأمهات اللواتي ينتظرن عودةً لا يعرفن متى تأتي. ولعلّ الأرض لا تنسى من مرّ فوقها؛ تحفظ وقع الخطى، وتحفظ أسماء من سقطوا، وتحفظ لمن أحبّها شيئاً من روحه. فإن كان للغائب أن يُسمع بعد الرحيل، فليس في ضجيج المدن، ولا بين جدرانٍ تهدّمت، بل هنا، حيث تعرف الأرض أبناءها ولا تنسى خطاهم. وهنا، مازالت الأرض التي لامستها خطواتك تنتظر صوتك، ومازال ترابها يهتف:
«يا أشرف الناس وأطهر الناس وأكرم الناس».



