دروس آسيا

بقلم/ د. عدنان لفتة..
لم تكن خسارة القوة الجوية أمام نيفتشي الأوزبكي مجرد سقوط في مباراة افتتاحية بدوري نخبة أبطال آسيا، بل كانت مرآة صادقة عكست واقعاً حاول البعض إخفاءه خلف الشعارات والوعود والتبريرات. فالنتائج القارية لا تجامل أحداً، والملاعب الآسيوية لا تعترف بالأسماء والتأريخ بقدر اعترافها بالعمل الحقيقي الذي يُترجم إلى أداء ونتائج.
مرة أخرى يجد ممثل الكرة العراقية نفسه أمام منافس يعرف ماذا يريد، ويلعب وفق مشروع واضح، بينما بدا الجوية كأنه يبحث عن هويته داخل المباراة. استحواذ بلا فاعلية، محاولات بلا أنياب، وأداء افتقد إلى الشخصية التي اعتادت جماهير الصقور أن تراها في الليالي القارية الكبيرة.
المشكلة ليست في خسارة مباراة، فكل فرق العالم تخسر، لكن المشكلة في تكرار الأخطاء ذاتها حتى أصبحت جزءاً من المشهد. فمنذ سنوات والفرق العراقية تدخل البطولات الآسيوية وهي تتحدث عن الطموح والمنافسة، ثم تكتشف عند أول اختبار جدي أن الفجوة بينها وبين منافسيها أكبر مما كانت تتصور.
نيفتشي لم يكن فريقاً خارقاً، ولم يقدم كرة قدم استثنائية، لكنه كان أكثر تنظيماً وانضباطاً وإيماناً بقدراته. لعب بهدوء الفريق الذي يعرف نقاط قوته ويستثمرها، بينما ظهر الجوية أسير الارتباك والعشوائية، وكأن المباراة كانت مفاجأة له وليست استحقاقاً استعد له منذ أسابيع.
ما يحدث للأندية العراقية قارياً ليس أزمة مدرب فقط، ولا أزمة لاعبين فقط، بل أزمة فكر كروي. فالأموال تُصرف بسخاء على التعاقدات، وتُرفع سقوف الطموحات في المؤتمرات والتصريحات، لكن عندما تدق ساعة الحقيقة تظهر الفجوة بين الإنفاق والإنتاج، وبين الضجيج الإعلامي والعمل الميداني.
لقد اعتدنا في كل موسم على سماع عبارات من نوع “الفريق جاهز”، و”المعسكر كان ناجحاً”، و”الهدف المنافسة على اللقب”، لكننا نادراً ما نرى ترجمة حقيقية لهذه العبارات داخل الملعب. والنتيجة أن الجماهير أصبحت تحفظ سيناريو الإخفاق قبل أن يبدأ العرض. الخسارة أمام نيفتشي يجب ألّا تُقرأ باعتبارها تعثراً عابراً، بل باعتبارها رسالة قاسية تؤكد أن الكرة العراقية لا تزال تدفع ثمن غياب التخطيط طويل الأمد. فلا يمكن لفريق أن ينافس قارياً وهو يعيش حالة من التغيير المستمر وعدم الاستقرار، ولا يمكن صناعة إنجاز آسيوي بالاعتماد على ردود الأفعال والحلول المؤقتة. الأكثر إيلاماً أن جماهير الجوية كانت تأمل أن ترى فريقاً يحمل إرث النادي الكبير الذي صنع أمجاداً آسيوية وكتب صفحات مشرقة في تأريخ الكرة العراقية. لكنها وجدت نفسها أمام أداء لا يشبه طموحاتها، ولا يليق بحجم التضحيات والدعم الذي تقدمه في كل مكان.
اليوم لا يحتاج الجوية إلى بيانات تبرير أو وعود جديدة، بل إلى وقفة شجاعة مع النفس. فالنقد ليس استهدافاً، والمصارحة ليست تشاؤماً، بل هي الخطوة الأولى نحو التصحيح. أما الاستمرار في تسويق الأوهام فلن ينتج سوى خيبات جديدة.
لقد خسر الجوية أمام نيفتشي، لكن الخسارة الحقيقية ستكون إذا مرّت هذه النتيجة كما مرّت نتائج كثيرة قبلها، من دون مراجعة ومحاسبة وإعادة بناء. فالأندية الكبيرة لا تسقط بسبب هزيمة، وإنما تسقط عندما تعتاد الهزائم وتتعامل معها بوصفها أمراً طبيعياً.
وفي عالم كرة القدم، لا توجد ذاكرة تحميك من السقوط، ولا تأريخ يمنحك الأهداف. ما يحميك هو العمل، وما يمنحك الانتصارات هو المشروع. وبينما كان نيفتشي يلعب بعقلية فريق يبحث عن المستقبل، بدا الجوية أسيراً لذكريات الماضي وتلك هي الحكاية كلها.



