اراء

الحديث عن احتلال دمشق.. أحلام إسرائيلية أم هدف قائم؟

بقلم: جو غانم..

فتح المقال الذي نشره صحفي عسكري إسرائيلي في موقع «والاه» العبري قبل أيام، نافذةً لافتةً على ما يدور داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بشأن مستقبل الاحتلال في الجنوب السوري.

فبحسب التقرير تحدث ضباط كبار في الفرقة 210، المسؤولة عن جبهة الجولان وجبل الشيخ، عن العمليات التي نفذتها “إسرائيل” داخل سوريا، وعن طبيعة الانتشار العسكري بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد. لكن العبارة الأكثر دلالةً، جاءت عندما قال أحد هؤلاء الضباط، من دون مواربة، إنّ عددًا كبيرًا من ضباط الاحتياط «يرغب في احتلال دمشق»، وذلك بحضور رئيس الأركان الإسرائيلي.

والكلام بحدّ ذاته لا يمثّل بالطبع قرارًا سياسيًّا أو أمرًا عسكريًّا صادرًا عن القيادة الإسرائيلية، وربّما يعتبره البعض فورة حماسة عابرة لدى ضباط ميدانيين. لكنّ التحول الذي حصل لحظة سقوط النظام السابق، طرح أسئلة جدية حول الواقع الجديد.

حيث لم يكتفِ كيان الاحتلال وقتها، بالضربات الجوية التي بدأها بعمليةٍ أطلق عليها «سهم باشان»، والتي استهدف خلالها الجزء الأكبر من القدرات العسكرية للجيش العربيّ السوري السابق، وخاصة القدرات الاستراتيجية والدفاع الجوي، بل تجاوزت قواته خطوط فضّ الاشتباك لعام 1974، وأنشأت حزامًا أمنيًّا بريًّا داخل العمق السوري.

واستمر الخطاب الإسرائيلي في التركيز على منع تشكّل “تهديد عسكري بالقرب من الحدود”، وعلى “إبقاء الجنوب السوري منزوع السلاح”، وعلى “حماية أمن الجولان”. وهذا خطاب لا بدّ أن يستحضر تجربةً تأريخية قريبة، فما يجري في سوريا حاليًّا، يذكّر بتجربة جنوب لبنان، حيث بدأ الاحتلال العسكري الإسرائيلي في مناطق عازلة ومحدودة، ثم تحول تدريجيًّا إلى احتلال واسع استمر حتى طردته المقاومة أصحاب الأرض في العام 2000.

وفي هذا السياق تحديدًا، تكتسب «الرغبة في احتلال دمشق» التي نقلها الصحفي العسكري في الموقع المشار إليه أعلاه، دلالتها الأوسع؛ فمثل هذه الرغبات الميدانية، حتى لو بدت اليوم عابرة وغير رسمية، قد لا تبقى كذلك؛ ومع مرور الوقت وتبدُّل الظروف السياسية، يمكن أن تتحوّل إلى مطالب تُطرح على طاولة القرار.

وهنا تكمُنُ المسافة بين «الهدف» و«الأماني» أو “الآفاق”، فقد لا تكون دمشق هدفًا عسكريًّا مقرّرًا، لكن الواقع العسكري يشرح نفسه. فالجيش السوري الذي كان موجودًا على الطرف الآخر من الحدود، اختفى، وانحسر النشاط العمليّ الفاعل لقوى محور المقاومة في سوريا، بينما تنشغل المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان، بمواجهة واحدةٍ من أشدّ حروب الإبادة توحّشًا، في الوقت الذي تؤكّد فيه مصادرها بشكل رسميّ، أن لا وجود عسكرياً لها على الأراضي السورية حاليًّا.

وإلى جانب ذلك، تظهر مؤشرات معنوية لا تقل أهمية عن المؤشرات العسكرية. فحديث ضباط الاحتياط عن دمشق، وحضورها في بعض الخطابات والرموز السياسية والدينية الإسرائيلية، يوحي بأنّ الطريق إليها بات يُرى في بعض الأوساط الإسرائيلية من مسافة أقصر بكثير ممّا كان عليه الأمر قبل أقل من سنتين. وهذا الحضور في الخطاب الإسرائيلي، يتطلب التوقف عند البعد الديني والقومي الذي يتجاوز حدود كيان الاحتلال الحالية.

ففي “سفر التكوين”، ترد العبارة المتعلقة بالأرض الممتدة «من نهر مصر إلى النهر الكبير ـ نهر الفرات»، وهي العبارة التي استندت إليها تيارات من الصهيونية الدينية في بناء تصورات عن «أرض إسرائيل» ذات الحدود الأوسع. كما تحتل دمشق موقعًا خاصًا في كثير من القراءات اليهودية بسبب «وحي دمشق» الوارد في “سفر أشعياء”، من دون أن تشكّل هذه النصوص بذاتها، عقيدة سياسية رسمية للكيان، أو تفسيرًا تلقائيًّا لكل تحرك عسكري إسرائيلي، رغم إطلاق تسميات دينية على عمليات جيش الاحتلال العسكرية.

والأهم، أنّ هذه الرموز الدينية والقومية، خرجت في السنوات الأخيرة من المجال الديني الضيق إلى المجال السياسي العلني؛ ففي عام 2023 ظهر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في باريس أمام خريطةٍ لما وصفه بـ «إسرائيل الكبرى»، شملت جميع الأراضي الفلسطينية وأجزاء من الأردن. وفي كانون الثاني 2025، ظهرت خريطة أخرى على حساب إسرائيلي رسمي، تضمّنت أراضي في سوريا ولبنان والأردن إلى جانب الأراضي الفلسطينية، وجرى تقديمها باعتبارها مرتبطة بما يسمى “الحقوق التأريخية لإسرائيل”، من دون أن يعني ذلك إعلان الحكومة الإسرائيلية برنامجًا رسميًّا لضم هذه الأراضي.

فسوريا لا تستطيع أن تبقى من دون جيش إلى ما لا نهاية، وإذا نجحت دمشق في إعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة، فإنّ هامش «حرية العمل» الإسرائيلي، سيتغير حتمًا. ويزيد بعض المشاهد الآتية من سوريا من حساسية هذا الملف، إذ ظهرت تسجيلات لجنود وعناصر في تشكيلات عسكرية سورية جديدة وهم يرددون هتافات مؤيدة لغزّة ومعادية لـ”إسرائيل”، بما فيها عبارات عنيفة، وأثارت هذه المشاهد ردود فعل داخل كيان الاحتلال، ووصل الأمر ببعض المسؤولين الإسرائيليين إلى الحديث عن احتمال اندلاع حرب مع سوريا.

ولا تتحرك “إسرائيل” في سوريا بمعزل عن القوى الأخرى؛ فتركيا تسعى إلى لعب دور مركزي في سوريا الجديدة، بينما تحاول الولايات المتحدة إدارة انتقال معقّد يجمع بين دعم السلطة الجديدة، ومكافحة تنظيم “داعش”، وإعادة ترتيب وجودها العسكري. كما أنّ أي وجود عسكري تركي كبير في سوريا، ولا سيما إذا ترافق مع قدرات رادارية أو جوية، يمكن أن يُنظر إليه في “إسرائيل” باعتباره عاملًا يحدّ من حرية عملها، وقد تجسّد ذلك بالفعل، في قصف مطار “أبو الظهور” العسكري شماليّ سوريا.

الأهداف الكبرى لا تبدأ دائمًا بقرارٍ رسميٍّ مُعلَن؛ بل تبدأ أحيانًا بتوسيع هامش الحركة، ثم بتثبيت مواقع جديدة، ثم بتحوّل الاستثناء إلى قاعدة. وما يقوله ضباط الاحتياط اليوم، قد يبقى مجرّد رغبة ميدانية عابرة، ولكن، قد يكون أيضًا، مؤشّرًا مبكرًا على مرحلةٍ جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى