قبرص بلا حل والسبب “إسرائيل”

بقلم: حسني محلي..
في الوقت الذي كنتُ والرئيس القبرصي التركي طوفان أرهورمان نتحدث فيه حول الشطر الشمالي من العاصمة نيقوسيا عن نتائج مباحثاته قبل يوم مع رئيس الجانب القبرصي اليوناني نيكوس خريستودوليديس، كان الرئيس الإسرائيلي في الشطر الجنوبي من العاصمة وعلى بعد مئات الأمتار فقط يتحدث عن “حلمه في أن يكون اللقاء القادم هنا في نيقوسيا بين رؤساء إسرائيل وقبرص ولبنان لدفع السلام إلى الأمام مع ضمان نبذ الإرهاب والقضاء عليه”، وبعد أن وصف خريستو دوليديس بأنه “صديق عظيم“.
واكتسبت زيارة هرتسوغ المفاجئة إلى نيقوسيا أهمية إضافية لأنها جاءت أولاً بعد يومين من زيارة نتنياهو ووزير دفاعه كاتس إلى جبل الشيخ وتهديداته لحكام دمشق الجدد، وثانياً بعد القمة الثلاثية التي انعقدت في مدينة العلمين وشارك فيها نيكوس خريستو دوليديس ورئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وأكد الزعماء الثلاثة خلال وبعد القمة وهي العاشرة من نوعها منذ 2014 على “أهمية التنسيق والتعاون الاستراتيجي السياسي والأمني والعسكري بين الدول الثلاث” باعتبار أن خريستو دوليديس يمثل جمهورية قبرص المعترف بها دولياً.
إذ سبق لزعماء اليونان وقبرص أن شاركوا في قمم مماثلة وعددها عشر وآخرها في 22 كانون الأول العام الماضي في القدس المحتلة. كما سبق للكيان العبري أن وقّع على العديد من اتفاقيات التعاون الأمني والعسكري والاستخباري مع أثينا ونيقوسيا وسوف تستلمان قريباً أنظمة دفاع جوي من “تل أبيب” التي تسعى لكسب لبنان أيضاً إلى تعاونها مع قبرص في مجال الطاقة إلى جانب مصر ولاحقاً سوريا، وهو ما يوليه الرئيس ترامب أهمية خاصة في علاقاته مع كل الأطراف المذكورة وعلى الرغم من تناقضاتها المعروفة.
فالجميع يعرف أن تحالف “تل أبيب” مع أثينا ونيقوسيا يستهدف تركيا التي تسيطر على الشطر الشمالي من الجزيرة منذ عام 1974 مع استمرار التوتر مع اليونان بسبب هذا الوجود والخلافات في بحر إيجة فيما يتعلق بالمياه الإقليمية والجرف القاري والمجالات الجوية، بعد أن وقعت أنقرة في 27 تشرين الثاني 2019 على اتفاقية ترسيم الحدود مع ليبيا.
كل هذه التفاصيل كانت ضمن المواضيع التي بحثتُها مع الرئيس القبرصي التركي طوفان أرهورمان الذي شكا من تعنّت الجانب القبرصي اليوناني والرافض لأي حلّ معقول ومقبول للمشكلة القبرصية معلّلاً ذلك “بالدعم الذي يحظى به من تل أبيب وواشنطن والعواصم الغربية“.
وقال أرهورمان “إن نقطة الخلاف الرئيسة بينه وبين خريستو دوليدس هو أن الجانب القبرصي اليوناني يرفض مبدأ المساواة السياسية بين الطرفين المؤسسين لجمهورية قبرص عام 1960 ويريد أن يعامل القبارصة الأتراك كأقلية وهو مرفوض تماماً“.
وبالتذكير بفشل كل المباحثات التي جرت، وما زالت مستمرة رغم انقطاعها بين الحين والحين، فقد فشل زعماء الطرفين القبرصيين ومنذ 1975 في التوصل إلى أي صيغة تسهم بتوحيد شطري الجزيرة في دولة فدرالية أو كونفدرالية مشتركة.
وهو ما لا ولن تتفق على تفاصيله كل من تركيا واليونان وهي الدول الضامنة لاستقلال الجزيرة ومعها بريطانيا التي لها قاعدتان هامتان جداً في قبرص. وتستخدم كل من “إسرائيل” وأميركا وفرنسا وإيطاليا ودول أطلسية أخرى بين الحين والحين هذه القواعد كما هي الحال خلال العدوان الصهيو- أميركي على إيران أو اليمن أو لبنان.
كلام الرئيس أرهورمان يبدو واضحاً أن خريستو دوليديس لا يوليه أي أهمية طالما أنه مدعوم من “تل أبيب” التي ترى في نفسها صاحب القرار في تقرير مصير الجزيرة التي جلبت انتباه هرتزل. فقد كتب في تموز 1902 إلى روتشيلد يقول “في البداية علينا أن نرتب الوضع في قبرص ومن ثم نهتم بفلسطين ونأخذها مطلقاً. فإذا غادر المسلمون قبرص فإن القبارصة الروم سوف يبيعون أراضيهم بأسعار جيدة ويهاجرون إلى جزيرة كريت أو أثينا. وفلسطين وطن صغير جداً بالنسبة إلى اليهود، لذا علينا أن نبحث عن أماكن أخرى قريبة منها. يجب أن نضم قبرص والعريش أيضاً إلى فلسطين“.
وجاء اهتمام “تل أبيب” بقبرص وفق هذه العقيدة الصهيونية حيث يقوم المواطنون الإسرائيليون واليهود من جنسيات مختلفة بشراء عدد كبير من البيوت ومساحات واسعة من الأراضي في شطري الجزيرة وأسسوا فيها العديد من الشركات التي يتحدث الإعلام القبرصي التركي واليوناني عن فعالياتها السرية والخطيرة.
ويتحدث الإعلام أيضاً عن العلاقات الوطيدة بين الرئيس القبرصي خريستو دوليديس مع نتنياهو وقيادات اللوبي اليهودي التي تعرَّفَ إليها عندما كان طالباً في الجامعة في نيويورك.
ومع الإشارة إلى وجود نحو عشرة آلاف من الأقلية المارونية في الشطر الشمالي التركي من الجزيرة ويتابعون أحداث لبنان عن كثب ومعظمهم ضد العدوان الصهيوني على لبنان فهم يشكون أيضاً انعدام أي اهتمام أو تواصل رسمي أو شعبي لبناني معهم.



