جدلية الحمار في الزمن الصعب

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..
كثيراً ما نسمع الناس يطلقون صفة الحمار على الغبي، فإذا أراد أحدهم إهانة خصمه قال له: (يا حمار)، وإذا رسب طالب في الامتحان بالمدرسة قالوا عنه حماراً، وإذا أخطأ مسؤول أو فشل سياسي أو كذب موظف وجدوا في اسم الحمار شتيمة جاهزة، فيقال عنهم بالجملة إنهم حمير وبالمفرد عن كل منهم انه حمار.. وفي أحد الإسطبلات العربية كان يعيش حمار صغير بين جماعة من الحمير. لم يكن مختلفا عنهم في شيء، يأكل الشعير ويقضم البرسيم ويحمل الأثقال ويصبر على البشر أكثر مما يصبر البشر بعضهم على بعض، لكن الحمار الصغير ذات صباح أعلن إضرابه عن الطعام، امتنع عن الشعير ورفض الجت والبرسيم وقاطع حتى الأندومي مع أن الأندومي لم يكن جزءاً من نظامه الغذائي، لكنه أراد أن يثبت جديته في الاحتجاج. مرّت الأيام فضعف جسده وتهدلت أذناه وغارت عيناه وصار يقف أمام الطعام وكأنه سياسي يعاني قصة حب فاشلة في أحد ملاهي دول الجوار.. قلق عليه أبوه فاقترب منه ذات مساء وجلس إلى جواره بعيداً عن بقية الحمير مراعاة لصفنته السرمدية وقال له بروية وحنان، ما بك يا بني؟ هل آذاك أحد؟ صارحني، أم أنك تعيش قصة حب فأنت في سن المراهقة ولا يخفى عليّ شيء! رفع الحمار الصغير رأسه ونهق نهقة خجولة ثم قال: نعم يا أبي إنهم البشر. قطّب الأب حاجبيه وقال وما شأن البشر بك؟ هل سرق أحدهم علفك فبعضهم معتادون على السرقة؟ هل ركب على ظهرك من دون إذن فأغلبهم فوضويون؟ هل حمّلوك أكثر مما تستطيع، فالكثير منهم لا يخشى الله؟ هزّ الابن رأسه وقال: ليست المشكلة في كل هذا يا أبي لكنهم يجرحون مشاعري دائما ويهينون اسمي دائما. قال الأب باستغراب: مشاعرك واسمك؟! قال الحمار الصغير: نعم.. كلما ارتكب أحدهم حماقة قالوا له يا حمار. وكلما شاهدوا غبيا قالوا عنه حمارا. كلما كذب مسؤول أو فشل سياسي قال عنه حماراً حتى إذا سرق موظف أو خان خائن قالوا عنه حماراً، ثم نهق وأضاف بدأت أشعر بالخجل من كوني حمارا يا أبي. هل نحن حقا بهذه الصفات؟ ألسنا نعمل بصمت ونحمل الأثقال بصمت ونصبر على الجوع والعطش والضرب بصمت؟ ألسنا أوفى من كثير من البشر؟ فلماذا يستخدمون اسمنا عنوانا لكل قبح؟ ظل الأب صامتا لحظات وحرّك أذنيه يمينا ويسارا كأنه يراجع صفحات التأريخ المتخم بالكذب ثم أطلق نهقة طويلة بدت أقرب إلى زفرة عميقة وقال: اسمع يا بني، البشر قوم غريبون. منحهم الله العقل ليسخروه بخدمة بعضهم في الحياة فاستعملوه في الكذب والمكر والخديعة واستخدمه البعض في صناعة أسلحة الدمار والخيانة وتبرير الظلم. ثم بدل أن يعترفوا بعيوبهم بحثوا عن مخلوق بريء وألصقوا به كل ما يخجلون من نسبته إلى أنفسهم. كان الحمار الابن صافنا كعادته يتأمل كلام أبيه الذي أكمل قائلا: هل رأيت حمارا يسرق علف أخيه الحمار؟ هل سمعت بحمار ينهب مال الإسطبل ثم يقف أمام الحمير خطيباً عن الأمانة والنزاهة؟ هل عرفت حمارا ينافق أو يستغيب حماراً أو يطعن حمارا في غيابه. هل رأيت فينا من يبيع الإسطبل الذي يعيش فيه ليحصل على مال أو مكسب؟ هل سمعت بحمار يقتل حمارا لأنه اختلف معه في الرأي أو مستوى النهقة؟ هزّ الحمار الصغير رأسه نافيا. ابتسم الأب ابتسامة حزينة وقال كل هذه أفعال البشر يا بني. ومع ذلك يصرّون على تسميتها أفعال الحمير. إنهم لا يشتموننا حين يقولون حماراً بل يشتمون أنفسهم من حيث لا يشعرون. لقد جعلوا اسمنا مرآة يرون فيها وجوههم. كان الابن صامتا ثم أطرق برأسه قليلا وبرطم ناهقا. فقال الأب: لا تخجل من كونك حماراً يا بني، كن حمارا أصيلا مثل أبيك، صبوراً وفياً متحملاً لا يبيع أهله ولا يقتل من يخالفه، لا يتملق لمن يهينه ولا يرفع شعار النزاهة بلسانه ولا يمد يده إلى المال العام.
شعر الحمار الصغير بالارتياح ونهق نهقة طويلة ونظر إلى كومة الشعير واقترب منها ثم بدأ يلتهمها بنهم وسط دهشة الحمير، ابتسم الأب، وقال: “أحسنت يا بني وارفع رأسك، وكن كما عهدتك حماراً ابن حمار ابن حمار، حتى ينقطع النفس”.



