اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

هل تستطيع المالية تأمين رواتب جديدة للعاملين في القطاع الحكومي؟

بعد تصاعد احتجاجات الخريجين


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..


تتصاعد مطالب الخريجين والعاملين بعقود والأجراء اليوميين في عدد من المحافظات العراقية، للمطالبة بالتعيين وتثبيت أوضاعهم الوظيفية، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً مالية متزايدة تفرض على الحكومة إعادة النظر في آليات التوظيف الحكومي ومدى قدرتها على استيعاب أعداد جديدة من العاملين.
وتأتي هذه المطالب في ظل حديث رسمي ونيابي عن إمكانية معالجة جزء من ملفات التعيين والتثبيت ضمن الموازنة المقبلة، في محاولة لتهدئة الشارع وطمأنة الشرائح المطالبة بفرص العمل، إلا أن استمرار الضغوط على الإيرادات العامة يضع وزارة المالية أمام معادلة صعبة تتمثل في التوفيق بين الاستجابة للمطالب الشعبية وبين المحافظة على الاستقرار المالي للدولة.
ويشير مراقبون إلى أن ملف التعيينات تحول خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً، في ظل استمرار الجامعات الحكومية والأهلية في تخريج أعداد كبيرة من الطلبة سنويا، من دون وجود خطة متكاملة تربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل الفعلية.
ويرى المراقبون، أن زيادة أعداد الخريجين، بالتزامن مع محدودية الوظائف الحكومية وضعف القطاع الخاص، خلقت فجوة كبيرة بين مخرجات المؤسسات التعليمية وفرص العمل المتاحة، الأمر الذي يجعل معالجة المشكلة عبر التعيين الحكومي وحده عاملاً مؤثراً على ميزانية الدولة في ظل محدودية وارداتها.
ولفتوا إلى أن اتساع قاعدة الموظفين في مؤسسات الدولة، في مقابل محدودية الإنتاج المحلي وضعف القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، يشكل ضغطاً متزايداً على الموازنة العامة، خصوصا أن الجزء الأكبر من الإيرادات الحكومية يعتمد على النفط وهي تتعرض دائماً لهزات خارجية، بينما تحتاج الرواتب والنفقات التشغيلية إلى تمويل مستمر.
وفي السياق نفسه، أكد المهتم بالشأن الاقتصادي صالح مهدي الهماش في حديث لـ”المراقب العراقي”: أن “معالجة ملف الخريجين لا ينبغي أن تقتصر على استحداث درجات وظيفية جديدة، بل يجب أن ترتبط بإعادة هيكلة الاقتصاد وتوسيع قاعدة الإنتاج، عبر دعم الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، إلى جانب توفير بيئة قادرة على خلق وظائف مستدامة خارج القطاع الحكومي.”
وأضاف، إن “وزارة المالية مطالبة بالتعامل مع ملف التعيينات باعتباره جزءاً من مشكلة اقتصادية أوسع، وليس مجرد ملف وظيفي يمكن حله بإضافة درجات جديدة إلى الموازنة”.
وأشار الى أن “استمرار الدولة في استيعاب الخريجين داخل الدوائر الحكومية من دون زيادة مقابلة في الإنتاج سيؤدي إلى تضخم النفقات الجارية ويزيد اعتماد الاقتصاد على الإيرادات النفطية، موضحا، أن كل درجة وظيفية جديدة لا تمثل راتبا شهريا فقط، وإنما تعد التزاما ماليا طويل الأمد يشمل العلاوات والترفيعات والتقاعد وغيرها من الاستحقاقات”.
ولفت إلى أن “معالجة الأزمة تتطلب مصارحة المجتمع بحقيقة الوضع المالي، ووضع معايير واضحة وشفافة للتعيين، بدلا من إطلاق الوعود التي ترفع سقف التوقعات ثم تصطدم لاحقا بقدرة الموازنة المحدودة”.
وأكد، أن “الحل الحقيقي يبدأ من إعادة توجيه الاقتصاد نحو القطاعات المنتجة، وربط الجامعات وسوق العمل، وتشجيع الشركات والمصانع على توظيف الخريجين، مع توفير حوافز وضمانات للقطاع الخاص حتى يصبح قادرا على استيعاب جزء كبير من القوى العاملة الجديدة”.
وبحسب رأي المختصين، فإن التنسيق بين وزارة المالية ووزارتي التخطيط والتعليم العالي والجهات المعنية بسوق العمل يجب أن يتحول إلى مسار دائم، لوضع خريطة سنوية للتخصصات المطلوبة وحجم الوظائف المتاحة، بما يمنع استمرار تخريج أعداد كبيرة من الطلبة في تخصصات لا توفر لهم فرص عمل حقيقية.
وشددت هذه الآراء على ضرورة ان لا تكون الموازنة المقبلة مجرد مساحة جديدة لطرح مطالب التعيين، بل فرصة لوضع سياسة وطنية للتشغيل، توازن بين احتياجات الخريجين وقدرة الدولة المالية، وتنتقل بالعراق تدريجيا من اقتصاد يعتمد على التوظيف الحكومي إلى اقتصاد قادر على خلق فرص عمل من خلال الإنتاج والاستثمار والقطاع الخاص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى