اخر الأخبارثقافية

“انسُوا هاملت”.. تحويل الأفكار والصراعات الذاتية والخارجية إلى مسارات مرئية

المراقب العراقي/ د. حيدر علي الأسدي..

يُعد نص «انسُوا هاملت» من تأليف الكاتب المسرحي جواد الأسدي واحدا من النصوص التي تقوم على إعادة النظر في العلاقة مع المسرح الكلاسيكي، وقد عُرف النص باشتغاله على هاملت بصورة مغايرة ومتحررة من القراءة التقليدية التي تعوَّدَ المخرجون عليها منذ سنوات طويلة، وقد احتضنت نقابة الفنانين العراقيين – فرع البصرة عرضاً مسرحياً لهذا النص من إخراج الدكتور عبدالكريم عبود، وبمشاركة نخبة من فناني البصرة.

ويأتي هذا العرض ليؤكد أن المسرح البصري ما زال قادراً على تقديم تجارب إبداعية تحمل روح التجديد والمغامرة، وتفتح أمام المتلقي أسئلة جديدة حول الإنسان والواقع والمصير.

وقد استطاع المخرج الدكتور عبدالكريم عبود أن يقدم رؤيته الإخراجية من خلال توظيف إمكانيات الممثلين وطاقاتهم التعبيرية، مستنداً إلى تجربة أكاديمية ومسرحية طويلة، في محاولة لصناعة عرض يلامس المتلقي ويمنحه مساحة للتأمل والتساؤل.

أما حضور نخبة من فناني البصرة في هذا العمل، فيمثل قيمة إضافية للعرض، ويؤكد أن المدينة ما زالت تمتلك طاقات فنية وتمثيلية قادرة على صناعة عروض تليق بتأريخ المسرح البصري.

إن «انسُوا هاملت» ليس مجرد عرض مسرحي عابر، بل هو دعوة للعودة إلى الخشبة، وإلى المسرح بوصفه فعلاً ثقافياً وفنياً حياً، وإلى منح الفنان البصري فرصته ليقدم إبداعه أمام جمهوره.

حاول المخرج تقديم النص بصورة أقرب الى الدراما الهندسية من خلال تحويله للأفكار والمشاعر والصراعات الذاتية والخارجية الى خطوط ومسارات مرئية محسوبة بدلالتها النفسية وتشكلاتها الميزانسينية، فعمد لإنتاج فضاء معماري بأشكال هندسية ليحضر الممثل عبر أدائه ضمن هذا الفضاء الهندسي ضمن بنى ثقافية تشكل حضور أجساد الممثلين وتحركاتهم الهارمونية مع إبعاد أشكال المفردة الديكورية ليتأطر الأداء الحركي عبر هذا النظام الهندسي في العرض المسرحي، فيشعر المتلقي أنه إزاء طاقة صورية ترتكز على توزيع الإضاءة والمفردات الديكورية بأشكالها الهندسية (دائرة/ نصف دائرة/ مستطيل/ خط مائل/مربع) لتحمل المشاهد ثنائيات دالة في بعدها السيكولوجي والسيسولوجي (السواد/ البياض) (الام/ اوفيليا/ عبر الأزياء) والاضاءة المتضادة (ابيض/اسود)( ابيض/ احمر) (الفرد / الجماعة) عبر تحركات الممثلين الموازية والمتزامنة (المركز/ الهامش) (صوت السلطة/ صوت الهامش).

حتى الاقواس الضوئية تضع الممثل بحالة من الدلالة والتحول النفسي ما بين (صوت الهامش/ صمت الهامش) ودوران المصير المتأسس من الشكل الهندسي الدائري الذي يعيد إنتاج بعده الفكري على امتداد العرض (الطاولة الدائرية/ قطعة القماش) حتى تشظي هذه الدائرة لنصفين هو تحول هندسي دال في بعده الجمالي والفكري داخل فضاء العرض الدرامي إذ اعتمد المخرج كريم عبود المبارك وببراعة السينوغرافي المتميز الدكتور علي السوداني على تكوينات متناظرة على المستوى الهندسي واشتغالها على المستوى الفكري لهذا التناظر.

وكذلك على (إعلاء سلطة المركز وهيمنته/ ومقاومة الهامش) ليخلق من الفضاء البصري البعد الدال لتحريك النص من مدونته المسطورة الى عيانيته البصرية ليتحول العرض المسرحي برمته الى علامة تكشف عن (السلطة السياسية الحاكمة) وصناعتها داخل بنى المجموعة (المجتمع/ خضوعه كهامش) وحتى الطاولات التي تفصل بينهما هي دلالة هندسية أخرى لهذه العزلة والخضوع والبون بين سلطة المركز والهامش، ليتحول المكان عبر تأثيث الصور الى سردية بصرية تُفضي الى معاني النص المسرحي وتشتبك مع قراءة مغايرة لشخصية هاملت.

إن هذا التعاضد الصوري لمتن النص إنما يتأتّى من القراءة الدقيقة وإعادة تفكيك المرجعية النصية التأريخية التي يتناقض معها المؤلف بقراءته الأولى لتأتي القراءة الثانية وتحول المعنى الى تشكلات بصرية لا تستغني عن النص وإن كانت في بعض الأحيان تميل الى التزام المتن التأريخي أكثر من الإسقاط على اللحظة الراهنة مثل هكذا تجارب مسرحية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى