امتلاك النفس قبل القرار.. رؤية الإمام علي “ع” في مواجهة الاندفاع

محمد مهدي صالح..
يرتبط جزء مهم من السلوك الإنساني بقدرة الفرد على إدارة رغباته وانفعالاته، وتأجيل ما يريده في اللحظة الراهنة عندما تكون نتائجه اللاحقة أكثر كلفة، وهي قدرة تتجاوز حدود التربية الأخلاقية لتدخل في تفسير أنماط متعددة من السلوك المنحرف والجريمة. ففي كثير من الحالات لا يكون الفارق بين الفعل المشروع والفعل المؤذي غياب المعرفة بالقانون، بل ضعف القدرة على التوقف قبل التصرف، أو تغليب مكسب سريع على عواقب قد تمتد سنوات طويلة.
انطلقت من هذه الفكرة نظرية ضبط النفس في علم الجريمة التي طورها مايكل غوتفريدسون وترافيس هيرشي عام 1990، والتي تفترض أن انخفاض مستوى ضبط النفس يجعل الإنسان أكثر عُرضة للاندفاع والمخاطرة والسعي وراء الإشباع الفوري، مع ضعف الاهتمام بالنتائج البعيدة. ويرى أصحاب النظرية أن هذه السمات تظهر في صور متعددة، من سرعة الغضب وعدم تحمل الإحباط إلى الميل نحو الأعمال التي توفر منفعة سريعة بأقل قدر من الجهد أو التخطيط.
وفق هذا التصور يمكن فهم بعض الجرائم بوصفها نتيجة لمعادلة بسيطة نسبياً، تتمثل بوجود فرصة تمنح منفعة عاجلة مقابل عقوبة مؤجلة أو غير مؤكدة، فالسرقة تمنح المال بصورة فورية بينما يأتي خطر العقوبة لاحقاً، والعنف قد يمنح شعوراً لحظياً بالانتقام بينما تظهر نتائجه القانونية والاجتماعية بعد انتهاء الغضب، كما يمكن تفسير بعض صور الاحتيال والسلوك المتهور بالطريقة نفسها عندما يتقدم الإشباع القريب على التفكير في النتائج الطويلة الأمد.
لا تنظر النظرية إلى ضبط النفس بوصفه قدرة تظهر فجأة عند البلوغ، وإنما تربطه بدرجة كبيرة بالتنشئة في السنوات الأولى، إذ تؤكد أهمية وجود علاقة مستقرة بين الطفل ووالديه، ومراقبة السلوك، واكتشاف الخطأ وتصحيحه بصورة متسقة، مع الجمع بين الحدود الواضحة والدعم العاطفي. وتفترض الصيغة الأصلية للنظرية أن السنوات الثماني أو العشر الأولى تمثل مرحلة أساسية في بناء هذه القدرة، وأن ضعفها في تلك المرحلة يمكن أن يستمر لاحقاً بوصفه نمطاً عاماً في شخصية الفرد.
هذه الفكرة تفتح مساحة للمقارنة مع جانب بارز من فكر الإمام علي بن أبي طالب، حيث يرتبط ضبط السلوك عنده بقدرة الإنسان على منع الانفعال من التحول مباشرة إلى فعل، ولا سيما في لحظات الغضب التي يمكن أن تضيق فيها مساحة الاختيار. ففي عهده إلى مالك الأشتر يرد قوله: «واحترس من كل ذلك بكف البادرة، وتأخير السطوة، حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار»، وهي صياغة تضع فاصلاً بين الانفعال وبين القرار، وتفترض أن الإنسان لا يكون في أفضل حالاته لاتخاذ القرار عندما يكون خاضعاً لاندفاعه المباشر.
لا يقدم هذا القول نظرية جنائية بالمعنى الحديث، لكنه يلامس إحدى المسائل المركزية التي تدرسها نظريات ضبط النفس، وهي أن القدرة على تأخير الاستجابة تمنح الفرد زمناً إضافياً لاستعادة التقدير العقلاني للنتائج. فالغضب في ذاته ليس جريمة، كما أن الرغبة ليست انحرافاً، لكن الخطر يبدأ عندما تختصر المسافة بين الشعور والفعل، بحيث يصبح القرار امتداداً فورياً للانفعال من دون مراجعة أو حساب للعواقب.
ويظهر المعنى نفسه في قول آخر منسوب إلى الإمام علي في نهج البلاغة: «الحدّة ضرب من الجنون لأن صاحبها يندم»، وهي عبارة تربط شدة الانفعال بفقدان قدر من الاتزان الذي يسمح للإنسان بتقدير نتائج سلوكه، بينما يأتي الندم بعد انحسار الحالة التي دفعت إلى التصرف. ولا تعني هذه المقاربة أن كل من يغضب يفقد مسؤوليته، بل تؤكد أن إدارة الغضب جزء من المسؤولية نفسها، وأن القدرة على الامتناع عن الفعل في لحظة التوتر تمثل أحد عناصر السيطرة على السلوك.
من هنا يبرز الاختلاف بين الرقابة الخارجية والرقابة الداخلية، فالقانون يستطيع أن يضع العقوبة وأن يراقب جانباً من النشاط الاجتماعي، لكنه لا يستطيع أن يكون موجوداً عند كل قرار فردي، في حين يعمل ضبط النفس قبل تدخل الشرطة والمحكمة، عندما يتخلى الفرد عن فعل معين لأنه يدرك عواقبه أو لأنه يملك القدرة على مقاومة الإغراء رغم غياب الرقيب. وفي هذا المستوى لا يصبح ضبط النفس مجرد وسيلة للابتعاد عن الجريمة، بل أداة لتنظيم العلاقة مع المال والغضب والشهوة والمخاطرة والسلطة والآخرين.
مع ذلك، فإن تحويل ضبط النفس إلى تفسير شامل لكل جريمة يواجه إشكالات واضحة، فقد تعرضت النظرية لانتقادات بسبب اختزالها السلوك الإجرامي في عامل فردي واحد، وبسبب افتراضها أن الفقر والبيئة الاجتماعية والعلاقات والضغوط وغيرها ليست أسباباً مستقلة بقدر ما هي نتائج مرتبطة أصلاً بانخفاض ضبط النفس. وتشير دراسات لاحقة إلى أن العلاقة أكثر تعقيداً، إذ يمكن للبطالة والعلاقات المستقرة والصدمات والبيئة الاجتماعية وتجارب الحياة أن تؤثر هي الأخرى في سلوك الفرد وفي قدرته على السيطرة على ذاته.
كما تعرَّضَ افتراض ثبات ضبط النفس بعد مرحلة الطفولة إلى مراجعة، لأن دراسات طولية وجدت أن هذه القدرة يمكن أن تتغير خلال المراهقة والبلوغ، وأن العلاقات الاجتماعية والعمل وتجارب الحياة قد تسهم بتقويتها أو إضعافها، وهو ما يعني أن التنشئة المبكرة مهمة لكنها ليست حكماً نهائياً لا يمكن تعديله.
وتظهر حدود النظرية بشكل أكبر في الجرائم التي تحتاج إلى تخطيط طويل وصبر وقدرة عالية على إدارة التفاصيل، مثل بعض صور الفساد المالي والجريمة المنظمة والاحتيال المؤسسي، لأن مرتكبي هذه الأفعال قد لا يتصرفون بصورة اندفاعية، بل قد يؤجلون المكاسب ويحسبون المخاطر وينظمون خطواتهم بعناية. ولهذا يصعب اعتبار ضعف ضبط النفس تفسيراً كافياً لمجمل الجريمة، حتى وإن بقي عاملاً قوياً في تفسير العديد من الجرائم العنيفة أو الانتهازية أو المرتبطة بردود الفعل السريعة.
من زاوية أخرى، يضيف فكر الإمام علي عنصراً لا تقيسه نظرية ضبط النفس بالصورة نفسها، ويتمثل في نوع الهدف الذي يستخدم الإنسان قدرته على الانضباط من أجله، إذ قد يتمتع شخص بدرجة عالية من الصبر والتخطيط والسيطرة على انفعالاته، لكنه يستخدم هذه القدرات في الظلم أو الاستغلال أو تحقيق منفعة غير مشروعة، بما يعني أن ضبط النفس وحده لا ينتج بالضرورة سلوكاً أخلاقياً، وإنما يحتاج إلى منظومة من القيم تضبط الاتجاه الذي تتحرك نحوه الإرادة.
وبهذا المعنى لا يكفي أن يستطيع الإنسان مقاومة اندفاعه، بل ينبغي أن يمتلك معياراً يحدد متى يستخدم هذه القدرة ولأي غاية. فالسيطرة على النفس قد تمنع اعتداءً وقع تحت تأثير الغضب، لكنها لا تكفي وحدها لمنع جريمة جرى التخطيط لها بهدوء، الأمر الذي يوضح الفرق بين تفسير السلوك من زاوية نفسية وبين تقييمه من زاوية أخلاقية واجتماعية وقانونية.



