اراء

هل تخشى إسرائيل انفجار الضفة.. أم أن الخطر أصبح أداة لإعادة تشكيلها؟

بقلم: د. هاني الروسان..

في الوقت الذي تحذر فيه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من احتمال انفلات الأوضاع في الضفة الغربية وامتداد تداعياتها إلى الداخل الفلسطيني، فإن الحكومة في المقابل تواصل التوسع الاستيطاني، ومصادرة الاراضي، وترعى تصاعد عنف المستوطنين، كما يتضاعف ضغطها على السلطة الفلسطينية. وهو ما يطرح تساؤلا حول ما إذا نحن أمام إجراءات هدفها بالفعل منع انفجار تخشاه إسرائيل، أم أنها تسعى الى تحويل الضفة إلى ساحة أمنية متوترة تستخدمها، أداة لإعادة تشكيلها؟ او بصورة أوضح، فالسؤال ليس ما إذا كانت الضفة قابلة للانفجار، وإنما أي الاحتمالين أقرب إلى تفسير المسار الجاري حاليا اي هل تتحرك إسرائيل تحت ضغط الخوف من انفجار لا تعرف كيف يمكن احتواؤه، أم أن «خطر الانفجار» يجري توظيفه لتبرير العسكرة وإضعاف السلطة وتوسيع السيطرة على الأرض؟ من حيث المبدأ قد يكون الخطر الأمني حقيقيًا، وقد تكون تحذيرات الجيش والشاباك فيها بعض من الصدق، لكن صدق التحذير لا يعني بالضرورة أن وظيفته السياسية محايدة. والمفارقة هنا أن المؤسسة الأمنية تبدو قلقة من اتجاهات يصعب فصلها عن سياسات الحكومة نفسها. فالتقارير تتحدث عن ارتفاع الإنذارات والاستعدادات العسكرية، وفي الوقت ذاته عن انتشار البؤر الاستيطانية، بما فيها بؤر داخل مناطق “أ” و”ب”، وعن احتكاك متصاعد بين المستوطنين والفلسطينيين.

وفي تطور لافت، أفادت تقارير بأن نتنياهو أمر بإخلاء بؤر غير مرخصة، خصوصًا في مناطق «ب»، تحت ضغط أميركي بسبب عنف المستوطنين. وهذه المفارقة تطرح سؤالًا أساسيًا: ما الذي تنتجه سياسة تسمح باستمرار البيئة التي تغذي التوتر، ثم تتعامل مع نتائجها باعتبارها خطرًا أمنيًا؟ فالمعروف أن المستوطنات هي جزء من مشروع أوسع للسيطرة على الأرض وقطع التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية وخلق وقائع يصعب التراجع عنها. وقد تسارعت حدة مسار الضم الفعلي، مع انتقال بعض أدوات إدارة الضفة إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية.

وهنا فإن الضم لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان رسمي، فقد يتحقق تدريجيًا من خلال توسيع المستوطنات وشرعنة البؤر وتغيير البنية الإدارية والقانونية وتقليص المجال المتاح أمام الفلسطينيين، خاصة أنه داخل الحكومة الإسرائيلية قوى سياسية أعلنت صراحة هدف فرض السيادة على أجزاء واسعة من الضفة. ويضاف إلى ذلك السعي إلى استخدام هذه التحذيرات وتوتير الأجواء الأمنية لإضعاف السلطة الفلسطينية، التي تمثل، رغم ضعفها، أحد العوائق أمام تحويل الضفة إلى فضاء تتحكم فيه إسرائيل مباشرة.

فكلما ارتفع مستوى العنف، أصبحت الحجة الإسرائيلية المتعلقة بضرورة التدخل الأمني المباشر أكثر قوة، وكلما توسعت العمليات العسكرية، تراجعت قدرة السلطة على الظهور باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الضفة، بما يفتح المجال أمام مزيد من السيطرة الإسرائيلية على الأرض. وهنا تظهر المفارقة الأوسع. فإسرائيل تريد احتواء الانفجار الأمني، لكنها في الوقت نفسه تواصل سياسات تسهم بإبقاء البيئة التي تغذيه. فالجيش الذي يوسع انتشاره، والشاباك الذي يحذر من هجمات، والمستوطنون الذين يوسعون بؤرهم، والقوى السياسية التي تدفع نحو الضم، كلها تتحرك لأسباب مختلفة، لكنها قد تدفع الواقع في اتجاه واحد: تحويل الضفة تدريجيًا من قضية سياسية إلى قضية أمنية وإدارية إسرائيلية.

ومن هذا المنظور، فإن إعادة تشكيل الضفة لا تحتاج بالضرورة إلى قرار معلن بالتهجير، فقد تنتج تدريجيًا عن تضييق المجال الجغرافي، وتوسيع الاستيطان، وتزايد القيود، وإضعاف قدرة السلطة على حماية السكان، بما يدفع بعض الفلسطينيين إلى مغادرة المناطق الأكثر تعرضًا للضغط. ولذلك فإن الحديث عن «إعادة تشكيل الضفة» قد يكون أدق من اختزال المسار في مشروع تهجير شامل، لأن تغيير الجغرافيا والسكان وشبكة السيطرة يمكن أن يسبق أي قرار سياسي معلن بهذا الشأن. وهنا تكتسب الانتخابات الفلسطينية المحتملة أهمية مختلفة، ليس باعتبارها استحقاقًا منفصلًا، وإنما لأنها قد تعيد إنتاج القيادة الفلسطينية في لحظة يجري فيها أصلًا إعادة تعريف وظيفة السلطة وموقعها في الضفة. ولذلك قد لا يكون المطلوب إسرائيليًا انهيار السلطة بالكامل، لأن انهيارها سيحمّل إسرائيل كلفة الاحتلال المباشر، وإنما إبقاؤها في حالة من الضعف يجعلها عاجزة عن تعطيل المسار الإسرائيلي، وقادرة في الوقت نفسه على تحمل بعض وظائف الإدارة والأمن. وبذلك تصبح الانتخابات، إذا جرت، جزءًا من السؤال الأوسع حول ما إذا كانت ستعيد للضفة بعدها السياسي أم ستجري داخل واقع أمني وإداري أخذ يتشكل مسبقًا.

لكن ذلك لا يعني أن الانفجار الفلسطيني يخدم إسرائيل بالضرورة. فالانفجار الواسع قد يعيد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، ويضغط على إسرائيل وحلفائها، ويصعب التحكم بنتائجه.

ولهذا يمكن تفسير جانب من الاستعدادات العسكرية باعتباره محاولة حقيقية لمنع هذا السيناريو. وهنا نصل إلى الإجابة: إسرائيل قد تخشى الانفجار فعلًا، لكنها قد تستفيد سياسيًا من الخوف منه، وهذان الأمران ليسا متناقضين. ولهذا فإن الخطر الحقيقي على الضفة ربما لا يكمُنُ في أن تنفجر غدًا، وإنما في أن تدخل في حالة «لا انفجار ولا استقرار» طويلة الأمد: توتر دائم، وعمليات متقطعة، واقتحامات، وعنف مستوطنين، وتوسع استيطاني، وسلطة ضعيفة، واقتصاد فلسطيني هش، بينما تتغير الخريطة على الأرض بصورة متدرجة. ولذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفلسطينيين والعرب ليس فقط: هل ستنفجر الضفة؟ بل: ماذا سيحدث للضفة إذا لم تنفجر؟ فقد يكون السيناريو الأخطر ليس انتفاضة تعيد خلط الأوراق، وإنما استمرار الوضع الحالي بما يكفي لكي تصبح الوقائع التي تُفرض اليوم هي الإطار الذي سيُنظَر إليه غدًا باعتباره واقعًا نهائيًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى