كيف أعادت الصين ميزان القوة فوق سماء إيران وأربكت التفوق الأمريكي؟

د. مهدي مبارك عبد الله..
كان الاعتقاد السائد منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن الصين اختارت الوقوف بعيداً ومراقبة المواجهة من خلف الشاشات مكتفية بالمواقف السياسية والتصريحات الدبلوماسية لتجنب صِدام مباشر مع واشنطن لكن التطورات التي رافقت الحرب والتقاريرالاستخباراتية الغربية والتسريبات الإعلامية كشفت صورة أكثر تعقيداً مُفادها أن بكين ربما لم تدخل الحرب بجنود أو طائرات لكنها شاركت فيها من خلف الستار بأدوات القرن الحادي والعشرين عبر التكنولوجيا والأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة والحرب الإلكترونية وسلاسل التوريد التي عززت قدرة إيران على الصمود ورفعت كلفة التفوق العسكري الأمريكي .
الحروب الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات وحاملات الطائرات بل بامتلاك القدرة على جمع المعلومات وتحليلها وتحويلها إلى قوة ميدانية ومن هذه الزاوية فإن الدعم الصيني لإيران لم يكن بالضرورة دعماً عسكرياً تقليدياً مباشراً بل كان جزءاً من استراتيجية أوسع تقوم على تعزيز قدرة طهران على مواجهة التفوق الجوي الأمريكي عبر التكنولوجيا والأنظمة الدفاعية والقدرات الصاروخية وهو ما ساهم بتغيير الحسابات العسكرية في المنطقة.
الصين تدرك جيدا أن إيران ليست مجرد حليف اقتصادي أو سياسي بل تمثل حلقة استراتيجية مهمة في مشروعها العالمي خاصة أنها تقع في قلب خطوط الطاقة والتجارة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق كما تمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية بالقرب من أهم الممرات البحرية في العالم لذلك فإن انهيار إيران أو خروجها من معادلة التوازن الإقليمي سيمنح الولايات المتحدة مساحة أكبر لتعزيز نفوذها في الخليج وآسيا الوسطى وهو أمر يتعارض كليا مع رؤية بكين لنظام دولي متعدد الأقطاب.
لعل أبرز ما أثار اهتمام المراقبين في تلك الفضاءات هو تطور الدفاعات الجوية الإيرانية خصوصاً بعد الحديث عن حصول طهران على منظومات دفاع جوي صينية محمولة وقابلة للحركة وهي منظومات تختلف عن الدفاعات التقليدية الثابتة التي يسهل اكتشافها واستهدافها خصوصا أن هذه الأنظمة تعتمد على الانتشار والمرونة والعمل اللامركزي ما يجعل أي قوة جوية مهاجمة مضطرة للتعامل مع عدد كبير من مصادر التهديد الصغيرة والمتنقلة بدلاً من ضرب مواقع مركزية معروفة.
بعض التقارير الغربية أثارت تساؤلات حول احتمال استخدام تقنيات صينية الصنع في إسقاط مقاتلة أمريكية خلال المواجهات كما تحدثت تقارير أخرى عن احتمال استفادة إيران من تقنيات رصد واتصالات وأقمار صناعية ساعدتها في تحسين قدرتها على تحديد الأهداف ورغم أن بعض هذه المعلومات لم يصل إلى مرحلة التأكيد الرسمي في المقابل نفت الصين تقديم أي دعم عسكري مباشر لطهران فإن مجرد طرح هذه الاحتمالات يعكس حجم القلق الأمريكي من انتقال التكنولوجيا الصينية إلى ساحات الصراع.
المواجهات المتسارعة كشفت أن الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيّرة أصبحت تمثل تحدياً مختلفاً للمنظومات الأمريكية المتقدمة وأن اعتماد إيران على مزيج من أنظمة الملاحة العالمية وتحسين وسائل التوجيه والمناورة جعل اعتراض هذه الأسلحة أكثر صعوبة وأظهر أن الدفاعات الجوية الأمريكية التي اعتادت التعامل مع خصوم أقل تطوراً تواجه الآن بيئة قتالية جديدة تعتمد على كثافة الهجمات وتعدد مصادر التهديد.
الملاحظ أن الحرب الامريكية مع إيران شكلت بالنسبة للصين فرصة مهمة لدراسة أداء المنظومات العسكرية الأمريكية في ظروف قتال حقيقية لأن كل عملية اعتراض وكل محاولة تشويش إلكتروني وكل استخدام للأسلحة المتطورة قَدَّمَ بيانات وخبرات هامة تساعد بكين على تطوير قدراتها استعداداً لأي مواجهة مستقبلية مع واشنطن خصوصاً في مناطق تعتبرها حيوية لمصالحها مثل بحر الصين الجنوبي وتايوان.
المشكلة الميدانية التي باتت تواجه واشنطن ليست أن إيران أصبحت تمتلك قوة جوية تنافس الطائرات الأمريكية لان هذا غير صحيح وإنما أن تكلفة استخدام القوة الجوية الأمريكية ارتفعت بصورة كبيرة والدولة التي كانت تعتمد على إرسال طائراتها المتطورة لضرب الخصوم بأقل قدر من المخاطر باتت تواجه خصوماً يستخدمون أسلحة أقل تكلفة لكنها قادرة على تهديد منظومات باهظة الثمن وهذه المعادلة تضع الولايات المتحدة أمام تحدٍّ استراتيجي كبير لأن الحفاظ على التفوق الجوي لا يعني فقط إنتاج مقاتلات أكثر تطوراً بل وحماية هذه المقاتلات من شبكة واسعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والوسائل الإلكترونية التي يمكن أن تستخدمها دول لا تملك ميزانية واشنطن العسكرية ولذلك فإن الحرب فوق سماء إيران لم تكن مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران بل كانت اختباراً مبكراً لطبيعة الحروب التي قد تخوضها الولايات المتحدة مستقبلاً أمام خصوم يمتلكون التكنولوجيا المناسبة حتى لو لم يمتلكوا التفوق الكامل.
ختاما: لقد نجحت الصين في توجيه رسالة استراتيجية من دون الدخول في حرب مباشرة مفادها أن عصر القوة التي تعمل وحدها بدأ يتراجع وأن القوى الصاعدة تستطيع التأثير في ساحات بعيدة عبر التكنولوجيا والشراكات والقدرات غير المباشرة وربما في الحقيقة لا تكون سماء إيران قد شهدت نهاية التفوق الأمريكي لكنها شهدت فعلا بداية اختبار حقيقي له وهنا تكمُنُ أهمية ما جرى بظهور علامات مبكرة على انتقال العالم من عصر الهيمنة العسكرية المنفردة إلى عصر التوازنات الذكية حيث تصبح التكنولوجيا والمعلومات والتحالفات الصامتة أسلحة لا تقل أهمية عن الطائرات والصواريخ حين تتحول التكنولوجيا والمعلومات والشبكات إلى أدوات نفوذ تعادل أحياناً قوة الجيوش التقليدية .



