الصين.. عملاق اقتصادي بأقدام من طين

بقلم: جاسم العزاوي وباولو فون شيراك..
في الرياض وأبو ظبي والدوحة، تُقرأ الصين اليوم بوصفها الشريك البديل، القوة الصاعدة التي لا تفرض شروطاً سياسية مقابل التجارة والاستثمار، على عكس واشنطن. هذا المنطق دفع دولاً خليجية عدة إلى تعميق علاقاتها الاقتصادية مع بكين، من مبيعات النفط إلى مشاريع الحزام والطريق. لكن قبل أن يُبنى رهان استراتيجي كامل على “الصعود الصيني الحتمي”، يستحق الأمر وقفة فاحصة: ماذا لو كان هذا العملاق أضعف بكثير مما تُظهره واجهته؟
هذا هو بالضبط السؤال الذي يطرحه باولو فون شيراش، رئيس معهد السياسات العالمية في واشنطن، في مذكرة بحثية حديثة خلص فيها إلى أن الصين تخفي وراء نموها المذهل هشاشة بنيوية عميقة، وأن السؤال ليس “هل ستأتي الفاتورة” بل “متى”.
وهم الانفتاح
في عام 2001، انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية على أمل غربي بأن الأسواق ستُنتج تدريجياً انفتاحاً سياسياً. بعد خمسة وعشرين عاماً، يبدو هذا الرهان أحد أكبر سوء التقديرات الاستراتيجية في حقبة ما بعد الحرب الباردة. فقد حصلت بكين على وصول غير مقيد إلى الأسواق الغربية، لكنها لم تفتح سوقها الداخلي بالمقابل، ولم تُخفف قبضة الحزب الشيوعي على الاقتصاد أو مؤسسات الدولة.
هذا لا يعني أن الصعود الصيني وهم. الصين تبني بنية تحتية بوتيرة لا تضاهيها أي ديمقراطية، وتتصدر في قطاعات السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والروبوتات والاتصالات، بل وتنافس أو تتفوق على الولايات المتحدة في مجالات مختارة من الذكاء الاصطناعي. لكن الحجم ليس مرادفاً للقوة، والنمو ليس مرادفاً للصحة الاقتصادية.
اقتصاد يعيش على الدين
حددت بكين هدف نمو رسمي لعام 2026 بين 4.5 و5 بالمئة، وهو الأدنى الذي تعلنه الصين منذ أوائل التسعينيات. جاء النصف الأول من العام عند 4.7 بالمئة، مع تباطؤ فعلي إلى 4.3 بالمئة في الربع الثاني بفعل ضعف الاستهلاك المحلي واستمرار أزمة العقارات. الاتجاه واضح: تباطؤ، لا المرونة التي يروّج لها الإعلام الرسمي.
المشكلة الأعمق تكمن في طبيعة هذا النمو نفسه. البنوك الصينية الحكومية ليست جهات إقراض مستقلة تُقيّم المخاطر، بل أداة تنفذ قرارات الحزب الشيوعي. القطاعات المفضلة سياسياً تحصل على ائتمان مفتوح بغض النظر عن الجدوى الاقتصادية، وهذا ما يفسر كيف تستطيع شركات السيارات الكهربائية بيع منتجاتها بأقل من كلفة إنتاجها لسنوات متتالية وتستمر في العمل. خطوط السكك الحديدية تخسر. شركات الطيران تخسر. لا شيء من هذا يهم طالما ظل النظام المصرفي، الذي يملكه الحزب فعلياً، يضخ الائتمان.
فقاعتان لا فقاعة واحدة
انهيار سوق العقارات كشف هشاشة الأساس. لعقود، كان العقار بالنسبة للأسرة الصينية العادية الملاذ الآمن الوحيد لمدخراتها، في ظل شبكة ضمان اجتماعي ضعيفة. اقترض المطورون بثقة مفرطة وبنوا أكثر بكثير من الطلب الحقيقي، وحين توقف الشراء، انهاروا. والمفارقة أن الدولة لم تتدخل لإنقاذهم كما تفعل مع الشركات الحكومية المفضلة. ملايين الأسر التي دفعت مقدماً ثمن شقق لم تُستكمل خسرت مدخراتها بالكامل. وهذا ما يفسر ضعف الاستهلاك المحلي اليوم.
الفقاعة الثانية ديموغرافية، وقد تكون أصعب علاجاً من أي أزمة عقارية. سجلت الصين 7.92 مليون مولود فقط في 2025، وهو أدنى رقم منذ عام 1949، بينما تجاوزت الوفيات 11 مليوناً، ما يعني أن عدد السكان يتقلص بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة سنوياً. معدل الخصوبة انخفض إلى نحو مولود واحد لكل امرأة، وهو مستوى يرتبط عادة بأزمات وطنية حادة لا بتراجع تدريجي. الحوافز المالية وتمديد إجازات الأمومة لم تُغيّر شيئاً، لأن حسابات الشباب الصيني اقتصادية بحتة: ضعف شبكة الرعاية الاجتماعية يعني أن كل زوجين يتوقعان إعالة عائلتيهما المسنتين دون دعم مؤسسي كافٍ، ما يجعل الإنجاب عبئاً يصعب تبريره.
السيطرة قبل الكفاءة
يطرح الباحث الصيني الأمريكي مينشين باي منذ سنوات سؤالاً جوهرياً واحداً حول النظام السياسي الصيني: هل مرونته الاستبدادية سمة دائمة أم مجرد مرحلة عابرة. والجواب الصادق، المستمد من خيارات شي جين بينغ نفسه في الحكم، هو أن الحزب سيختار دائماً السيطرة على حساب الكفاءة، حتى لو أنتج ذلك قروضاً متعثرة وأبراجاً سكنية فارغة وشركات وطنية خاسرة. بقاء الحزب، لا الناتج المحلي الإجمالي، هو المهمة الحقيقية. نظام يقوم على هذه الأولوية ليس بالضرورة هشاً في المدى القريب، لكنه هش بالطريقة التي تتسم بها الأنظمة الاستبدادية: قوي حتى ينهار فجأة.
ماذا يعني هذا للمنطقة؟
بالنسبة لدول الخليج التي راهنت على تنويع شراكاتها بعيداً عن الاعتماد الحصري على واشنطن، هذا لا يعني التخلي عن الصين، فهي تبقى أكبر مستورد للنفط في العالم وشريكاً تجارياً لا غنى عنه. لكنه يعني أن أي استراتيجية إقليمية طويلة المدى يجب أن تأخذ في الحسبان أن الشريك الصيني قد يكون أضعف بنيوياً مما تُظهره أرقامه الرسمية، وأن الرهان الكامل على “حتمية الصعود الصيني” يتجاهل تحديات ديموغرافية ومالية قد تُعيد رسم موازين القوى خلال عقدين لا أكثر.
الصين لا تزال تتحدث بثقة مطلقة عن استعادة مكانتها التاريخية كـ”مملكة الوسط” بينما يتراجع النفوذ الأمريكي. لكن دولة مضطرة إلى التشكيك في أرقام نموها المعلنة، ودعم صادراتها، ودفع مواطنيها للإنجاب، ليست دولة تكتب فصلها التالي من موقع قوة. إنها دولة تشتري الوقت فحسب.



