اراء

من وراثة النفوذ إلى حجز المقاعد.. الشرق الأوسط بعد صمود إيران

بقلم: ليلى نقولا..


منذ نهاية الحرب الباردة، سادت في بعض الأوساط السياسية والاستراتيجية الأميركية فرضيّة مفادها أنّ الشرق الأوسط يمكن إعادة تشكيله عبر إضعاف بعض القوى الإقليمية الكبرى أو إسقاطها، ومن ثمّ إعادة توزيع النفوذ بين لاعبين آخرين أكثر انسجاماً مع التوجّهات الأميركية.
كان عقد التسعينيات مرحلة هيمنة أحادية أميركية مارست خلاله إدارة بيل كلينتون مبدأ “الاحتواء المزدوج” لكلّ من العراق وإيران، ثم ظهر منطق إعادة هندسة المنطقة بالقوة حيث حاولت إدارة الرئيس جورج بوش إعادة ترتيب الشرق الأوسط، عبر القوة العسكرية المباشرة وإسقاط الأنظمة بالقوة معلناً بعد حرب العراق أنّ “دومينو” شرق أوسطي سيجعل الأنظمة تسقط وبالتالي تكون هناك منطقة مختلفة كلياً تنعم بالديمقراطية.
ومع ارتفاع كلفة التدخّلات العسكرية المباشرة، اتجهت إدارة باراك أوباما إلى أشكال أكثر محدودية من التدخّل، برزت في دعم بعض التحوّلات السياسية واستخدام القوة بصورة غير مباشرة، كما ظهر بوضوح في ليبيا من خلال نموذج “القيادة من الخلف”. لكنّ وقائع العقود الثلاثة الماضية تكشف أنّ هذه المقاربات اصطدمت بحقائق الجغرافيا السياسية، وأدّت الى فشل الكثير من التصوّرات الأميركية للمنطقة.
المشكلة في التصوّرات الأميركية أنها لم تأخذ بمقاربات جيوسياسية شبيهة بتلك التي تبنّاها زبيغنيو بريجنسكي، أي عدم النظر إلى الدول بوصفها أنظمة سياسية عابرة، بل باعتبارها وحدات استراتيجية تمتلك أوزاناً راسخة نسبياً. وفي تصوّر بريجنسكي، إنّ وزن بعض الدول لا تحدّده طبيعة النظام الحاكم وحدها، وإنما أيضاً موقعها الجغرافي وحجمها ومواردها وموقعها في ميزان القوى.
لذلك لم يكن يتعامل مع الدول الإقليمية الكبرى كأهداف للإلغاء أو الإسقاط، بقدر ما كان ينظر كيف يمكن احتواؤها أو التعامل معها ضمن ميزان القوى. برأي بريجنسكي، هناك بعض الدول التي تكون مؤهّلة لتكون قوى إقليمية بطبيعتها، ومن هذه الدول تركيا وإيران على سبيل المثال لا الحصر.
تبدو إيران وتركيا دولتين إقليميتين “طبيعيتين”، بسبب امتلاكهما مجموعة من العوامل التي تجعل حضورهما في معادلات الشرق الأوسط أمراً بنيوياً لا ظرفياً. تمتلك إيران مساحة جغرافية واسعة، وثقلاً سكانياً كبيراً، وموقعاً يتحكّم بمفاصل استراتيجية تربط الخليج بآسيا الوسطى والقوقاز. أما تركيا فتشكّل جسر الاتصال بين الشرق الأوسط وأوروبا والبحر الأسود والبلقان، فضلاً عن امتلاكها قاعدة صناعية واقتصادية وعسكرية تجعلها لاعباً دائماً في المعادلات الإقليمية.
انطلاقاً مما سبق، إنّ رهان إدارة الرئيس دونالد ترامب على إسقاط إيران أو إخراجها نهائياً من التوازنات الإقليمية أثبت محدوديته. في فترته الأولى، اعتقد ترامب أنّ الضغوط القصوى يمكن أن تجعل إيران تتنازل وتأتي الى الطاولة مستسلمة، لكنها لم تفعل. وفي فترته الثانية، اعتقدت إدارة ترامب أنّ الخيار العسكري بالتعاون مع “إسرائيل”، سينهي النظام في إيران، لكنّ ذلك لم يحصل، وصمدت إيران.
الخطأ الذي وقعت فيه الإدارة هو تقيمها لقوة إيران، وعدم اعتبارها من التاريخ الذي لا يقدّم نماذج كثيرة عن اختفاء قوى إقليمية كبرى بسبب الضغوط الخارجية وحدها، بل يقدّم أمثلة عديدة عن عودتها بأشكال مختلفة بعد مراحل من التراجع.
وللمفارقة، أنّ التصوّرات الأميركية السابقة انسحبت على عدد من الدول الإقليمية الفاعلة، وبعض النخب السياسية في الدول التي لإيران نفوذ فيها كلبنان والعراق على سبيل المثال. كان الاعتقاد بأنّ أيّ تراجع إيراني، أو حتى انهيار محتمل للجمهورية الإسلامية، سيخلق فراغاً يمكن ملؤه بصورة تلقائية. مع أنّ التجارب تظهر أنّ النفوذ المستدام يحتاج إلى مقوّمات بنيوية لا يمكن تصنيعها بسرعة أو شراؤها بالثروة أو بالدعم الخارجي وحده.
ولا تختلف تركيا كثيراً في هذا الجانب، وإن اختلفت أدواتها ومصالحها عن إيران. يستند ثقل تركيا الإقليمي إلى موقعها الجغرافي، وحجمها السكاني، واقتصادها، وقاعدتها الصناعية والعسكرية، وامتداد مصالحها من البحر الأسود والبلقان إلى القوقاز والشرق الأوسط. ولذلك فإنّ أيّ ترتيبات إقليمية جديدة تتجاهل تركيا أو تفترض إمكانية السير بما يريده بنيامين نتنياهو أي حصر المجال الذي تتحرّك فيه ستكون، على الأرجح، أمام المشكلة نفسها: صعوبة تجاوز دولة تمتلك مقوّمات ذاتية لإنتاج النفوذ والحفاظ عليه.
وعليه، بعد صمود إيران، انتقل المشهد في الشرق الأوسط من محاولات سباق لوراثة النفوذ الإيراني وملء الفراغ الذي سينتج عن الانهيار، إلى سباق لحجز المقاعد حول الطاولة التي سيجلس إليها الأقوياء في مرحلة ترتيبات ما بعد الحرب الأميركية الإيرانية (بغضّ النظر عن المدة التي ستحتاجها للانتهاء).
وفي هذه البيئة الجديدة، لا تسعى الدول الإقليمية فقط إلى توسيع نفوذها، بل إلى منع تآكله أيضاً. لذا، نجد أنّ بعض القوى تتحرّك دفاعاً عن مكتسباتها، وبعضها يخشى أن يدفع ثمناً باهظاً لفشل رهاناته، وبعضها يتحرّك بحثاً عن فرص جديدة، وبعضها يحاول تحويل الثروة الاقتصادية إلى ثقل سياسي واستراتيجي. لكنّ الجامع بين الجميع هو إدراك أنّ الشرق الأوسط مقبل على نظام إقليمي جديد لم تتشكّل ملامحه النهائية بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى