اراء

الفلسطيني لم يبع أرضه.. نحن الذين نحاول شراء راحة ضميرنا

بقلم: د. معن علي المقابلة..


كلما عجزنا عن فعل شيء للفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال، اخترعنا لأنفسنا قصة تريحنا من ثقل العجز. وأيسر هذه القصص وأكثرها تداولاً: “الفلسطيني باع أرضه”. نرددها وكأنها حقيقة تاريخية مكتملة، ونستحضرها كلما اشتد علينا المشهد، وكلما وقف الفلسطيني في أرضه، متمسكاً بها، رافضاً الرحيل، ودافعاً ثمن بقائه من دمه وحريته وأمنه ومستقبل أبنائه.
لكن السؤال الذي لا نريد أن نطرحه هو: إذا كان الفلسطيني قد باع أرضه فعلاً، فلماذا ما زال حتى اليوم يقاتل من أجلها؟
الفلسطيني في فلسطين لم يجد أمامه سوى أن يتمسك بما تبقى له. قاوم بما استطاع الوصول إليه؛ بالحجر، والسكين، والبندقية، والصاروخ، وبكل وسيلة امتلكها في مواجهة احتلال يملك دولة وجيشاً وطائرات ودبابات ومنظومة عسكرية هائلة.
وفي واحدة من أكثر صور الصراع قسوة، وصل الأمر إلى أن يحاول الأسرى في سجون الاحتلال تهريب نطفهم إلى خارج السجن، ليولد لهم أبناء يحملون أسماء آبائهم وذاكرتهم وقضيتهم. قد يختلف المرء سياسياً أو أخلاقياً مع بعض وسائل المقاومة، لكن من الصعب أن ينكر دلالة هذه الصورة: إنسان مسجون يحاول أن ينتصر على سجانه حتى في مسألة الإنجاب والاستمرار. هذه ليست عقلية من باع أرضه. ولو أردنا الاحتكام إلى الديموغرافيا بعيداً عن الشعارات، فإن وجود ملايين الفلسطينيين داخل فلسطين التاريخية، وارتفاع عددهم إلى مستويات تنافس عدد اليهود، يحمل رسالة لا يمكن تجاهلها: مشروع اقتلاع الفلسطيني لم ينجح في اقتلاعه بالكامل.
لقد مرت عقود على النكبة، ووقعت مجازر وعمليات تهجير وتدمير للقرى والمدن، من دير ياسين وكفر قاسم إلى ما جرى في حيفا ويافا وعكا والطنطورة وغيرها، وتواصلت أشكال التضييق والمصادرة والاستيطان والقتل والاعتقال. ومع ذلك بقي الفلسطيني هناك. بقي في أرضه. أنجب أبناءه. ودفن موتاه فيها. وعاد إلى بيوته المهدمة ليبني فوق ركامها حياة جديدة. فأيّ “بيع”هذا الذي نتحدث عنه؟ نعم، حدثت عمليات بيع للأراضي، كما حدثت صفقات واستغلالات وخيانات، وهذا جزء من التاريخ ولا ينبغي إنكاره. لكن تحويل حالات البيع الفردية إلى تفسير شامل لضياع فلسطين هو تبسيط للتاريخ، وتحويل للضحية إلى متهم، وإعفاء للاحتلال من مسؤوليته الأساسية عن الاستيلاء على الأرض وتهجير أهلها.
والأخطر من ذلك أن هذه الرواية لا تخدم الفلسطيني، ولا تخدم الأردن، ولا تواجه المشروع الصهيوني. الهروب إلى الأمام ليس سياسة في الأردن، نواجه اليوم سؤالاً أكثر خطورة من سؤال “من باع الأرض؟”. السؤال هو: ماذا سنفعل إذا حاول الاحتلال فرض التهجير؟
وهنا، فإن الانشغال بفكرة نزع الجنسية الأردنية عن فلسطينيي الداخل في الكيان الصهيوني يبدو أقرب إلى الهروب من المشكلة منه إلى مواجهتها. إذا قرر الكيان الصهيوني تهجير الفلسطينيين، فهل سيشكل حملهم للجنسية الأردنية من عدم حملها عائقاً أمامها؟ هل سيقول الاحتلال: هذا يحمل الجنسية الأردنية، ولذلك يجب ان نهجره؟ بالطبع لا. من يعتقد أن الاحتلال سيتوقف عند حدود القانون الدولي لأنه يواجه ورقة قانونية أو إدارية، يتجاهل طبيعة المشروع الذي أمامه. الاحتلال نفسه يعرف أن القانون الدولي يصبح بلا قيمة عندما لا توجد إرادة سياسية قادرة على فرض احترامه.
ولهذا فإن مواجهة خطر التهجير لا تبدأ بنزع الجنسية، وإنما تبدأ بتحصين الجبهة الداخلية الأردنية، وتعزيز قوة الدولة، ورفع جاهزية الجيش، وبناء قدرة حقيقية على الردع. إذا كان التهجير إعلان حرب.. فهل نحن مستعدون؟ حين يقول وزير الخارجية إن التهجير إعلان حرب، فهذه ليست جملة عابرة. إذا كان التهجير إعلان حرب، فإن السؤال المنطقي التالي هو: هل نستعد للحرب؟ الاستعداد للحرب لا يعني الدعوة إليها، ولا يعني الرغبة في خوضها. لكنه يعني أن الدولة التي تعتبر التهجير خطاً أحمر يجب أن تمتلك الأدوات التي تجعل تجاوز هذا الخط مكلفاً. العالم تغيّر.
أحياناً تكون الإرادة، والاستعداد، والقدرة على الرد، هي التي تغير الحسابات. ولا يكفي أن نتعامل مع سلطة بلا سلطة سياسياً، لا يمكن أن نبني استراتيجيتنا على التعامل مع السلطة الفلسطينية وحدها، وكأنها تختصر الشعب الفلسطيني كله، أو كأنها تملك وحدها مفاتيح المشهد. القضية الفلسطينية أكبر من مؤسسة سياسية، وأكبر من سلطة محاصرة ومقيدة ومكبلة بالاحتلال. وإذا كنا نريد حماية الأردن من تداعيات ما يجري في فلسطين، فعلينا أن نفهم المشهد الفلسطيني كما هو، لا كما نرغب أن يكون.
إن دعم الشعب الفلسطيني، ودعم حقه في مقاومة الاحتلال، والوقوف إلى جانب قضيته، ليس ترفاً سياسياً. بل هو جزء من حماية المصالح الأردنية نفسها، لأن أي مشروع لاقتلاع الفلسطيني من أرضه لن يتوقف عند حدود فلسطين. المشكلة ليست في الفلسطيني الذي بقي.. بل في عجزنا نحن لهذا، فإن الاستمرار في الحديث عن “الفلسطيني الذي باع أرضه” لا يحل شيئاً. لا يوقف التهجير. لا يردع الاحتلال. لا يحمي الأردن. ولا يعيد شبراً واحداً من فلسطين. بل يمنحنا شيئاً آخر: راحة مؤقتة من مواجهة الحقيقة. فإذا كان الفلسطيني قد باع أرضه، يمكننا أن نغسل أيدينا من القضية. وإذا كانت المشكلة في الجنسية، يمكننا أن نناقش الجنسية.
الفلسطيني لم يبع أرضه كما نحب أن نتخيل. والذين يصرون على تكرار هذه الرواية اليوم لا يقدمون تفسيراً للتاريخ بقدر ما يقدمون تفسيراً لعجزهم عن الحاضر. فحين يصبح اتهام الفلسطيني أسهل من مواجهة الاحتلال، وحين يصبح نزع الجنسية أسهل من بناء القوة، وحين يصبح تكرار رواية “باعوا أرضهم” أسهل من الاعتراف بأننا عاجزون عن حمايتها… فإننا لا ندافع عن الأردن، ولا ننصر فلسطين، ولا نحمي حدودنا. نحن فقط نبحث عن رواية تمنحنا راحة الضمير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى