“الباكي على النمل” قصص عن عالم تحكمه لافتات صامتة

عن سلسلة “سرد” التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة/ وزارة الثقافة والسياحة والآثار، صدرت حديثاً للقاص ماجد الحيدر مجموعته القصصية الجديدة الموسومة “الباكي على النمل”.
في زمنٍ صارت فيه المآسي الكُبرى خبزاً عابراً على الشاشات، يأتينا كتابٌ ليُذكرنا بأن الخطر الحقيقي ليسَ في الموتِ، بل في اعتيادهِ. “الباكي على النمل” للكاتب العراقي ماجد الحيدر ليستْ مجموعةً قصصيةً بالمعنى التقليدي، إنها تقريرٌ ميدانيٌّ عن روحٍ تتآكل، ومدينة تتجمَّدُ، ولُغةٍ تنهارُ شيئاً تحت وطأة الرُّوتين والسخرية السوداء. لا يحتاج القارئ لكثير عناءٍ ليدرك أنهُ أمام عالمٍ مُغلقٍ، عالم تحكمُهُ لافتاتٌ صامتةٌ، وساعة مائلةٌ رفضت أن تمضي قُدما. زمن لا يقيسهُ التأريخُ، بل يقيسه طقسٌ يومي متكررٌ: فُطورٌ لا يحضره أحدٌ، وعملٌ يؤجل الألم فيه إلى “اجتماع الغد”، يبدأ الخرابُ كلهُ من الجسد، فالقضية لم تعد أرضاً ولا حريةً بل صارت “تعباً”. إنسان مرهق اختزلت كل مطالبه في كلمةٍ واحدةٍ، ومن هذا التعب تنبتُ بقيةُ المشاهد. السلطة هنا لا تأتي بدبابةٍ إنها تأتي على هيأة مجلس يبرر كُل شيء، وعلى هيئة غرفة صغيرة و”لكمةٍ” واحدة كافية لإسكات سؤالٍ، العنف في هذا العالم إجراء إداري، وليس حدثاً استثنائياً. في مقابل هذا الثقل يلتقط الكاتب تفاصيل تبدو هامشية لكنها جوهر النص. رغيف على طاولةٍ وثيابٌ صغيرةٌ على حبلٍ ووردةٌ تزرعُ خلسةً تحت منع. هذه ليست مشاهد، هذه شواهد قُبورٍ، فعندما تتحولُ أشياء الأطفال إلى دليل غيابٍ، وعندما يصيرُ البيت مكاناً لتعليق الحُزن لا للحياة، نُدرك أن الكارثة قد تمت بهدوءٍ شديدٍ.



