إسرائيل تعيد رسم جنوب سوريا بالقوة.. من الاقتحام إلى الاحتلال!

بقلم: د. مهدي مبارك عبد الله..
لم تعد التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا تبدو مجرد عمليات عسكرية مؤقتة فرضتها ظروف سقوط النظام السوري السابق والفراغ الأمني الذي أعقبه بل إن الوقائع المتراكمة على الأرض تكشف انتقالا واضحا من التوغل إلى التمركز ومن الاقتحام المحدود إلى بناء وجود عسكري منظم يجعل السؤال الحقيقي ليس لماذا دخلت إسرائيل جنوب سوريا وإنما إلى أين تريد أن تصل بهذا الوجود.
ما بدأ بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 بالسيطرة على المنطقة العازلة وتعليق العمل بترتيبات اتفاقية فصل القوات لعام 1974 تحول الوجود الاسرائيلي تدريجيا إلى تمدد عسكري متشعب داخل الأراضي السورية وإلى مواقع ثابتة ودوريات واقتحامات متكررة وتحصينات وخنادق وطرق عسكرية وهو ما يعني أن إسرائيل لا تتعامل مع الجنوب السوري كساحة عمليات عابرة وإنما كمساحة أمنية جديدة تريد فرض قواعدها فيها.
الأكثر دلالة على ذلك أن الجيش الإسرائيلي أنشأ تسع نقاط عسكرية بحجم نقاط سرية على طول الشريط الذي يسيطر عليه في الجنوب السوري ويستخدمها للمراقبة وتسيير الدوريات والانطلاق في عمليات داخل القرى والمناطق المفتوحة من جبل الشيخ باتجاه حوض اليرموك فيما يجري تنفيذ مشروع تحصين واسع يحمل اسم الشرق الجديد يتضمن بناء خنادق وسواتر ترابية على امتداد المنطقة العازلة حيث تبلغ أبعاد بعض الخنادق نحو أربعة أمتار عرضا وعمقا.
وهذا الواقع الجديد ما يجعل مشروع الشرق الجديد بالغ الدلالة خاصة أنه لا ينتظر اتفاقا أمنيا مع دمشق لكي يحدد شكل الحدود المقبلة بل يعمل مباشرة على صناعة وفرض الوقائع التي ستدخل في أية مفاوضات لاحقة لان إسرائيل اذا ما جلست إلى طاولة التفاوض في المستقبل وهي تملك مواقع عسكرية ثابتة وشريطا أمنيا وتحصينات عسكرية داخل الأراضي السورية فإنها لن تفاوض من نقطة الصفر وإنما ستفاوض على واقع فرضته بالقوة.
خطورة هذا المسار تزداد مع استمرار الاقتحامات والتوغلات التي لم تعد أحداثا استثنائية فقد وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان أكثر من ألف توغل إسرائيلي في الجنوب منذ سقوط النظام السابق حتى نهاية أغسطس 2026 وهو رقم يكشف أن الوجود العسكري الإسرائيلي لم يعد مرتبطا بظرف طارئ وإنما تحول إلى ممارسة منظمة ومستمرة.
إسرائيل تعلن مرارا إن هدفها من السيطرة والتوغل في جنوب سوريا منع تكرار هجوم مماثل للسابع من أكتوبر في غزة ومنع ظهور قوة عسكرية سورية أو جماعات مسلحة بالقرب من الجولان لكن واقعيا هذا التبرير يحمل مشكلة جوهرية لأنه لا يضع سقفا زمنيا للوجود الإسرائيلي وان كل جيش سوري يمكن إعادة بنائه وتطوير قدراته يصبح تهديدا محتملا لتل أبيب وكل قوة سياسية جديدة يمكن اعتبارها خطرا مستقبليا وبذلك يصبح استمرار الاحتلال وتوسعه هو القاعدة بينما يصبح الانسحاب استثناءً يحتاج إلى تفاوض وضمانات ومفاوضات طويلة وغير مثمرة.
في عمق هذه المعادلة يحتل جبل الشيخ موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية لأنه يمنح إسرائيل قدرة واسعة على المراقبة والسيطرة ويتيح لها عمقا استخباريا وعسكريا كبيرا ولذلك فإن التمسك بالمواقع المحيطة به لا يبدو مجرد تفصيل أمني قابل للمساومة والتغيير وإنما جزءا أساسيا من محاولة حثيثة لإعادة رسم المجال الأمني الإسرائيلي شمالا وشرقا.
أما الحديث الإسرائيلي عن حماية الأقليات وخصوصا الدروز في الجنوب فيحمل بدوره بعدا سياسيا لا يمكن تجاهله فمثل هذا الملف يمكن أن يتحول إلى مدخل لبناء قنوات نفوذ محلية داخل الجنوب السوري والتعامل مع قوى اجتماعية بعيدا عن دمشق بما يضعف قدرة الدولة السورية على فرض سيادتها الكاملة على أراضيها.
المفارقة الابرز في السياق أن دمشق وإسرائيل تتحدثان في الوقت نفسه عن استئناف مفاوضات أمنية بوساطة أمريكية حيث أكدت دمشق أكثر من مرة أن هدفها من الاتفاق هو وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي السورية فيما جرت بالفعل اتصالات رفيعة المستوى بين الطرفين في الأردن خلال الأيام القليلة الماضية لكن استمرار التوغلات وبناء التحصينات يجعل أي تفاوض غير متكافئ او مقبول لأن إسرائيل تواصل تغيير الوقائع على الارض بينما يجري الحديث اليومي عن العودة إلى طاولة المفاوضات.
إن جوهر المشكلة يكمُنُ بأن إسرائيل لا تحتاج إلى إعلان ضم الجنوب السوري حتى تحقق مكاسب الاحتلال إذ يكفي أن تجعل وجودها العسكري دائما وأن تحول مواقعها المؤقتة إلى بنية أمنية مستقرة وأن تجعل الانسحاب منها موضوعا للتفاوض وهذا ما يجب ألّا تغفله دمشق والمنطقة كلها لأن الاحتلال لا يبدأ دائما بإعلان صريح وإنما يبدأ بذريعة أمنية ثم يتوسع إلى منطقة عازلة ثم إلى مواقع عسكرية ثم إلى طرق ودوريات وتحصينات وبعد سنوات يصبح الواقع الجديد هو نقطة البداية لأي تفاوض .
لعل أخطر ما يجري في جنوب سوريا ليس تزايد عدد المواقع الإسرائيلية ولا مساحة الأرض التي دخلتها القوات الإسرائيلية فحسب وإنما محاولة تغيير معنى الحدود نفسها ونقل خط الدفاع الإسرائيلي إلى داخل الأراضي السورية بحيث تصبح سوريا يوما بعد يوم هي المنطقة العازلة لإسرائيل.
ما يتوجب التحذير منه أنه إذا لم يتوقف هذا المسار قبل أن تترسخ المواقع والتحصينات وتتحول الاقتحامات إلى روتين يومي واعتيادي فإن الخطر الداهم لن يكون في مجرد احتلال مؤقت لجزء من الجنوب السوري بل في إمكانية ولادة حدود جديدة بالقوة مع الخشية أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه المطلوب من سوريا أن تفاوض إسرائيل على الانسحاب من أرض سورية وكأن الاحتلال نفسه أصبح حقا مكتسبا يحتاج إلى صفقة.
ختاما: إن ما يجري في جنوب سوريا ليس مجرد توغل إسرائيلي بحثا عن الأمن وإنما محاولة لصناعة واقع جديد على الأرض قبل أن تبدأ أية مفاوضات حقيقية وجادة فكل موقع عسكري جديد وكل خندق وكل دورية داخل الأراضي السورية هي خطوة أخرى نحو تحويل الاحتلال المؤقت إلى وجود دائم وإذا سكتت دمشق والعرب والمجتمع الدولي عن هذا المسار فإن إسرائيل لن تكتفي غدا بالمطالبة بضمانات أمنية داخل سوريا بل ستفاوض على أرض سورية تحتلها بالفعل وتريد الاحتفاظ بها ولذلك فإن المعركة اليوم ليست مجرد خلاف على بضعة كيلومترات من الجنوب السوري وإنما على حق سوريا الكامل في أن تكون دولة ذات سيادة وعلى ألاّ تتحول حدودها إلى خطوط ترسمها الدبابات الإسرائيلية ثم يطلب من السوريين التفاوض عليها وتصبح إسرائيل في موقع من يقرر أين تبدأ حدود الخطر وأين تنتهي .



