اراء

قرار صادر من مجلس قيادة الثورة

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..


بالأمس التعيس بكل ما تعنيه التعاسة، حيث كنّا في بلاد اعتادت أن تدار بالتصفيق والتنفير والتهليل، رغم أنف الشعب بكل طوائفه وأعراقه حيثما كانت للقائد الضرورة مناسبة في ميلاده المطعون وانقلابه المشؤوم ويوم تكشيرة القائد ويوم ضحكة القائد ويوم ميلاد نجله المخبول وصولاً الى يوم الشجرة.. الكل في الشوارع (وما دري هي الناس من كثر الخوف تملي الشوارع… ما دري هي الشوارع تحضن الناس). لم يكن السؤال حينها ما هي المناسبة كان الحال يتلخص في ما قاله شاعر شعبي بحضرة الطاغية (واحد زائد واحد يطلع عشرة وأنت الواحد وأنت العشرة، لوما الواحد جا ضاع الواحد والعشرة). فضحك الدكتاتور طويلا ثم التفت إلى عبد حمود وقال (كرمووو… كرموووو).. لم يفهم أحد يومها ما الذي أضحك أخو هدلة ولم يعرفوا ماذا فهم من الشعر الأفلاطوني. لم يعرف الحاضرون إن كان الشاعر قد قال حكمة أم أطلق لغزاً أم تورّط في مفردات تلخبطت وتشخبطت وجاءت كما شاءت ان تأتي، لكن أحداً لم يجرؤ على السؤال، ففي حضرة الطاغية يصبح السؤال وقاحة ويصبح الصمت الهاماً وتصبح التكشيرة الجماعية والضحك الجماعي، دليلا على سلامة الموقف ومساحة الفهم و(شي ما يشبه شي).
في اليوم التالي، خرجت الصحف لتؤدي مهمتها الرئاسية في تحويل العبث إلى فلسفة وفنطزة التكريم الى استنباط عميق وقراءة قيادية فّذة. فالصحافة في زمن الاستبداد لا تنقل الحقيقة بل تنقذ صورة القائد من الحقيقة. وفي واحدة من لحظات الخوف في جمهورية الوهم، زار الدكتاتور إحدى القرى في غرب العراق وصادف حضوره إقامة صلاة الجمعة. كان (سيادته) جالساً في الصف الأول يستمع للخطيب الذي اعتلى منبر الخطابة ورجلاه ترتجفان خوفاً من حب القائد وقلبه يخفق متسارعاً من هول الشدّة يلعن الساعة التي جمعته بفارس الأمة. وسرد الخطيب خطبته وحين وصل الى ما حصل في احدى معارك المسلمين في صدر الرسالة، فقال جاء سيدنا راكباً فرسه ليعبر النهر ويواجه قائد المشركين، فقفز في المرة الأولى فلم يقدر ثم عاد في المرة الثانية فقفز وعبر.. ثم جاء بعده سيدنا صاحب القول الشديد والرأي الغليظ والنصح الفريد راكباً فرسه ليعبر النهر، فقفز في المرة الأولى فلم يقدر ثم عاد في المرة الثانية فلم يقدر ثم عاد في المرة الثالثة فلم يقدر ثم عاد في المرة الرابعة فلم يقدر.. فاشرأبت عينا القائد الفلتة وبان الضجر في شعرات شاربه ورفع إصبعه وأشار الى الخطيب وقال: (عبروووو … عبرووووو) فصاح الخطيب بأعلى صوته.. ثم عاد سيدنا في المرة الخامسة فعبر بقرار صادر من رئيس مجلس قيادة الثورة.. وغفر الله لي ولكم وأقم الصلاة… أين نحن اليوم من الأمس؟ وأين أمست صحافتنا وإعلامنا؟، (شي ما يشبه شي).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى