اراء

التقريب بين المذاهب في المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي.. من الوحدة إلى المقاومة

بقلم: عباس خامه يار..

إذا كان التقريب بين المذاهب يُمثّل آليةً لبناء التماسك الداخلي للأمة، فإنّ هذا التماسك لا يكتمل إلا عندما يتحوّل إلى وعيٍ مشترك بالمسؤولية التأريخية والمصير الواحد.

ومن هنا، فإنّ المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي لا تفصل بين التقريب والوحدة من جهة، وبين المقاومة ومواجهة الهيمنة من جهة أخرى، بل تنظر إليها بوصفها حلقات مترابطة في مشروع واحد، غايته استعادة قدرة الأمة الإسلامية على الفعل التأريخي، واستنهاض طاقاتها، وتمكينها من استعادة موقعها الحضاري.

فالأمة التي تتقارب فيما بينها، ولكنها لا تمتلك وعياً بمصالحها المشتركة وقضاياها المصيرية، تبقى وحدتها عرضةً للاهتزاز. أما حين يتحوّل التقريب إلى تعاونٍ حقيقي في القضايا الكبرى، فإنّ الوحدة تنتقل من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل التأريخي. ومن هنا، جاء الارتباط الوثيق بين مشروع التقريب وقضايا المقاومة وفلسطين، باعتبارها من أبرز الميادين التي تتجلى فيها وحدة الأمة، وتتراجع أمامها الخلافات الثانوية لصالح القضايا الجامعة.

وتحتل القضية الفلسطينية موقعاً محورياً في هذا السياق؛ فهي، في هذا التصور، ليست مجرد قضية سياسية أو نزاعاً جغرافياً محدوداً، وإنما قضية ترتبط بهوية الأمة وكرامتها ومقدساتها ووعيها بمصيرها المشترك. ولذلك، فإنّ أي مشروع للتقريب يتجاهل القضايا المصيرية للأمة ويكتفي بالحوار النظري، يظل مشروعاً ناقصاً. فالوحدة الحقيقية لا تُقاس بكثرة المؤتمرات واللقاءات، وإنما بقدرة المسلمين على الاجتماع حول القضايا التي تمسّ جوهر وجودهم وكرامتهم ومستقبلهم.

ومن هنا تصبح المقاومة أحد الميادين العملية للتقريب؛ لأنها تنقل الوحدة من قاعات الحوار إلى ساحات الواقع، ومن التوافق النظري إلى التعاون العملي. وعندما يلتقي المسلمون، على اختلاف مذاهبهم، حول قضية عادلة ومصيرية، تتراجع مساحة الخلافات الثانوية، وتتقدم إلى الواجهة عناصر الاشتراك والانتماء والمصير الواحد. وبذلك يتحول التقريب من مجرد خطابٍ فكري إلى قوةٍ اجتماعية وسياسية قادرة على إنتاج أثرٍ حقيقي في التأريخ.

وهذا هو أحد التحولات الأساسية في الرؤية التي يعرضها الملف:

الانتقال بالتقريب من حوار النخب إلى الفعل التأريخي. فالتقريب المنشود ليس تقريباً بروتوكولياً أو لغوياً، وإنما مشروعٌ يحتاج إلى مؤسسات، وإلى وعيٍ مجتمعي، وإلى سياساتٍ وخطابٍ إعلامي وحدوي، وإلى تواصلٍ مستمر بين العلماء والمفكرين والنخب والمجتمعات الإسلامية. وبذلك يصبح التقريب مشروعاً ممتداً في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، لا فعاليةً موسمية محدودة.

وفي هذا الإطار، يحتل الإعلام والتعليم والمؤسسات العلمية والثقافية موقعاً مهماً في بناء الوعي الوحدوي. فمواجهة خطاب الفرقة لا تتحقق بالمواقف السياسية وحدها، بل تحتاج إلى إعداد جيل جديد من النخب والشخصيات المؤثرة، يؤمن بأنّ الاختلاف المذهبي لا يتناقض مع الانتماء إلى أمة واحدة، ويدرك أنّ مستقبل المسلمين يرتبط بقدرتهم على اكتشاف طاقاتهم المشتركة وتوجيهها نحو القضايا الأساسية والمصيرية.

كما أنّ الوحدة الإسلامية لا يمكن أن تكون مستقرةً ومستدامةً ما لم تنعكس في الواقع الاجتماعي والثقافي للأمة. فالوحدة التي تبقى في حدود الشعار، ولا تتحول إلى احترامٍ متبادل وتواصلٍ اجتماعي وتعاونٍ عملي، تظلّ هشّةً أمام الأزمات والتحديات. ومن هنا، فإنّ مشروع التقريب يحتاج إلى أن يتحول إلى ثقافة عامة راسخة في مختلف مستويات المجتمع، من العلماء والمفكرين إلى المؤسسات التعليمية والإعلامية، وصولاً إلى عموم أبناء الأمة.

ومن هنا، فإنّ مواجهة التطرف لا تقتصر على تيارٍ أو مذهب بعينه، وإنما هي مسؤولية مشتركة. فالتكفير والإساءة إلى مقدسات الآخرين وخطابات الكراهية جميعها تؤدي إلى النتيجة نفسها:

إضعاف الثقة بين أبناء الأمة واستنزاف طاقاتها في صراعات داخلية. ولذلك، فإنّ الوحدة المنشودة ليست وحدةً شكلية، وإنما وحدة قائمة على الاحترام والوعي والنضج والقدرة على إدارة الاختلاف.

وفي نهاية المطاف تلتقي هذه الحلقات جميعاً في أفق الحضارة الإسلامية الحديثة. فالحضارة لا تُبنى بأمةٍ ممزقة، ولا يمكن استنهاض الطاقات العلمية والاقتصادية والسياسية والثقافية للعالم الإسلامي في ظل نزاعات مذهبية تستنزف قدراته. ومن ثمّ فإنّ التقريب، في هذا المستوى، يصبح أحد المداخل الأساسية لإعادة بناء الهوية الحضارية للأمة، واستعادة الثقة بقدرتها على النهوض، وتحويل تعددها إلى طاقةٍ للتكامل والإبداع.

وعليه، فإنّ مشروع الحضارة الإسلامية الحديثة يبدأ، في أحد أبعاده الأساسية، من إعادة بناء الإنسان المسلم ووعيه بانتمائه إلى أمة واحدة، ثم ينتقل إلى بناء العلاقات بين مكونات هذه الأمة، وتوحيد طاقاتها حول قضاياها الكبرى، وتعزيز استقلالها واقتدارها، وصولاً إلى استئناف دورها الحضاري.

ويمكن تلخيص المسار العام لهذه المنظومة في سلسلة مترابطة:

الرسالة المحمدية → الأمة الواحدة → الوحدة الإسلامية → التقريب وإدارة الاختلاف → بناء الوعي المشترك → التماسك والاقتدار → المقاومة ومواجهة الهيمنة → استنهاض طاقات العالم الإسلامي → الحضارة الإسلامية الحديثة.

إنّ كل حلقة من هذه الحلقات تمهّد لما بعدها؛ فـالتقريب يرسّخ الوحدة، والوحدة تؤسس للاقتدار، والاقتدار يتيح للأمة أن تدافع عن مصالحها وتواجه الهيمنة، ومجموع ذلك يهيئ شروط النهضة الحضارية.

ومن هذا المنظور، فإنَّ ذكرى مولد النبي الأكرم (ص) وأسبوع الوحدة الإسلامية لا ينبغي أن يُنظر إليهما بوصفهما مجرد مناسبة للاحتفاء والتذكير بالأخوّة بين المسلمين، بل بوصفهما فرصةً لاستعادة المنطق النبوي في بناء الأمة: توحيد القلوب حول الإيمان، وتنظيم الاختلاف في إطار الأخوّة، وتحويل المشتركات إلى قوة، وتحويل القوة إلى حركةٍ تأريخية وحضارية.

إنّ العودة إلى روح الرسالة المحمدية تقتضي إعادة بناء الأمة، وإنّ إعادة بناء الأمة تبدأ من وحدتها، وإنّ وحدتها الحقيقية تفتح الطريق أمام عزتها واقتدارها ومقاومتها ونهضتها الحضارية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى